الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الحياه

منطقة محظورة

كنان مالك

إن التباين بين معاملة المتظاهرين المناهضين لرشدي والمحتجين على الرسوم الكاريكاتيرية لا يوضح مدى تغير المواقف نحو حرية الخطاب فحسب، بل يوضح أيضاً كيفية تحول الأفكار المرتبطة بالتطرف، والتحريض، والخطاب المثير للكراهية. 


منذ عشرين عاماً، وفي ذروة الأزمة التي أثارها كتاب سلمان رشدي، جرت مناظرة تلفزيونية في دار بلدية مانشستر. وكان على المنصة كليم صدِّيقي، مؤسس «المعهد الإسلامي» المدعوم من إيران ومقره لندن، الذي زعم أن الفتوى التي تبيح قتل رشدي صائبة، وأن على رشدي أن يموت. وتوجه بالسؤال إلى الجمهور: كم منكم يؤيد عقوبة الإعدام؟ فرفع غالبيتهم أيديهم. ثم استطرد قائلا: كم منكم مستعد لتنفيذ هذه العقوبة؟ فبقي عدد الأيدي المرفوعة كما هو تقريباً.


كانت لحظة هزت المشاعر، التقطتها عدسات الكاميرا وأعيد عرضها في نشرة الأخبار المسائية. لقد أصبحت الشرارة التي أشعلت النقاش حول التحريض على القتل.

ومن أبرز التحولات التي حدثت في الأعوام الأخيرة هي تغير مفهوم "التطرف" من كونه وصفاً لمطالبة سياسية إلى مصطلح شبه قانوني. 
وقد طالب كثير من مؤيدي رشدي أن يرفع مدير النيابات العامة دعوى تحريض على القتل ضد صدِّيقي. وعارضت فرانسيس دسوزا، رئيس اللجنة الدولية للدفاع عن سلمان رشدي، أي تحرك من هذا القبيل. وقد أوضحت: «على الرغم من أن كلمات صدِّيقي مثيرة للصدمة والاشمئزاز، فإنها لم تشكل تحريضاً لأنه لا هو ولا مناصروه في وضع يمكنهم من تنفيذ الفتوى، وليس من المرجح كثيراً أن يكونوا في مثل هذا الوضع. واستشهاداً بحكم القضاء الأمريكي الشهير حول التحريض، لم يكن هناك (خطر واضح وجلي) من أن تتحول كلمات صدِّيقي إلى أفعال».


وبعد ثمانية عشر عاماً، تبنت شرطة العاصمة والنيابة العامة وجهة نظر مغايرة تماماً عندما واجهتها مجموعة من المتظاهرين المسلمين المحتجين على الرسوم الكاريكاتيرية الدنماركية. ووجهت إلى أربعة منهم تهمتان بالتحريض على القتل وإثارة الكراهية العنصرية لأنهم هتفوا «اقصفوا الدنمارك»، ودعوا إلى إعادة جنود المملكة المتحدة من العراق داخل أكياس الموتى. لقد كانت قدرة المتظاهرين على تنفيذ تهديداتهم أو تحريض الآخرين على تنفيذها أقل بكثير من قدرة كليم صدِّيقي، ولم يكن هناك خطر واضح وجلي. ومع ذلك، سُجن المتظاهرون المتهمون فترات تراوحت ما بين أربع وست سنوات، ولم يكن ذلك في الواقع بسبب التحريض على القتل أو إثارة الكراهية، بل بسبب التفكير في أفكار غير مقبولة.


إن التباين بين معاملة المتظاهرين المناهضين لرشدي والمحتجين على الرسوم الكاريكاتيرية لا يوضح مدى تغير المواقف نحو حرية الخطاب فحسب، بل يوضح أيضاً كيفية تحول الأفكار المرتبطة بالتطرف، والتحريض، والخطاب المثير للكراهية. وعلى مدى العقدين الماضيين اتسع مفهوم «الكراهية»، وأصبح معنى «التحريض» مطّاطاً، وأعيد تعريف مفهوم التطرف. وأصبح القانون يُستخدم الآن ليس فقط لتجريم الخطاب الذي يؤدي إلى ضرر مباشر فحسب، بل أيضاً لتجريم الخطاب الذي قد يؤدي إلى  ضرر غير مباشر، أو الذي يُعتبر غير مقبول من الناحية الأخلاقية.


وساعدت الحرب على الإرهاب في، جانب منها، على الدفع باتجاه تقليص الحريات المدنية. لنأخذ مثلا قرار الإدانة الذي صدر العام الماضي ضد سامينا مالك، المعروفة باسم «الإرهابية العاطفية»، بموجب «قانون الإرهاب البريطاني لسنة ٢٠٠٠» بسبب حيازة مواد «يُحتمل أن تكون مفيدة بالنسبة إلى شخص يرتكب أو يجهز لعمل إرهابي». كانت سامينا شابة تحمل في رأسها أفكاراً مقلقة. وفيما عدا الأشعار الهزلية البغيضة التي كتبتها حول رغبتها في أن «تقطع رؤوس الكفار الخنازير»، كان كل ما اقترفته هو أنها نزّلت مواد ملهبة للمشاعر من مواقع إلكترونية مجانية -وقد قمت أنا شخصياً بتنزيل بعض هذه المواد- كما لو كان أي إرهابي غير قادر على تنزيل هذه المواد لن يملك من الذكاء ما يمكنه من القيام باعتداء إرهابي. إن الجريمة الحقيقية التي أدينت بها سامينا هي الأفكار والرغبات الموجودة في رأسها المشوش. ما كان ينبغي أبداً أن تصل هذه القضية إلى المحكمة، ناهيك عن أن تدان فيها سامينا.على مدى العقدين الماضيين اتسع مفهوم "الكراهية"، وأصبح معنى "التحريض" مطّاطاً، وأعيد تعريف مفهوم التطرف.
ومع ذلك، فالمشكلة أعمق بكثير من مجرد الحرب على الإرهاب. إذ إن اتساع مفاهيم التحريض والكراهية قد بدأ قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بفترة طويلة. وكان بعض أشرس المنتقدين للحرب على الإرهاب من بين أعلى الأصوات المنادية بفرض قيود على حرية الخطاب، فيما يتعلق مثلاً بالتحريض على الكراهية العنصرية والدينية. وتستغل قوانين مكافحة الإرهاب ثقافة الرقابة الموجودة بالفعل.


ومن أبرز التحولات التي حدثت في الأعوام الأخيرة تغيُّر مفهوم «التطرف» من كونه وصفاً لمطالبة سياسية إلى مصطلح شبه قانوني. فمن الحزب الوطني البريطاني إلى حزب التحرير (البنغالي) إلى كلمات أغنيات المطرب (الجامايكي) بوجو بانتون حول المثليين (هوموفوبيا)، فإن وصف خطاب ما بالتطرف يعني أنه مرشح محتمل لعقوبة قانونية. وقد حدث هذا التحول لسببين، أولاً: أصبح التطرف مسألة أخلاقية بدلاً من كونها سياسية. ثانياً: هناك قبول واسع الآن لفكرة قيام الدولة والقانون الجنائي بوظيفة تحديد الحدود الأخلاقية.


ولم يعد وصف حجة أو فكرة ما بأنها «متطرفة» يقتصر على مجرد وضعها على الخريطة السياسية، فقد أصبحت تخضع أيضاً للحكم الأخلاقي عليها. ويُعتبر الأمر متطرفاً إذا تجاوز حدود النقاش المعقول والمقبول. وبمجرد أن يتجاوز حدود النقاش المعقول، فلن تكون هناك سوى قلة من الناس تعارض تحوله إلى أمر مرشح لعقوبة قانونية.


ولنأخذ مثلاً خطاب الكراهية، لماذا نتحدث كثيراً جداً عن خطاب الكراهية هذه الأيام؟ يرجع ذلك في الغالب إلى أن هذا النوع من الخطاب قد أصبح أحد وسائل إعادة توصيف الأفكار المتطرفة للتأكيد على محتواها الأخلاقي؛ وبعبارة أخرى، إعادة توصيف المطالبات السياسية البغيضة على أنها نقاشات غير أخلاقية. وبينما كنا نعترض يوماً ما على هذه الأحاسيس من الناحية السياسية، أصبحنا نسعى اليوم على الأرجح إلى فرض عقوبات جنائية لتجريمها.


والمشكلة هي أن ما يمثل ضرورة أخلاقية لشخص ما قد يمثل سُمَّاً أخلاقياً بالنسبة إلى شخص آخر. فمنذ عامين، شجب إقبال ساكراني، السكرتير العام السابق «لمجلس مسلمي بريطانيا»، المثلية الجنسية عبر البرنامج الإذاعي توداي (اليوم) على محطة بي بي سي راديو ٤. وقد دفعت تعليقاته الشرطة إلى التحقيق في حدوث «سلوك من المحتمل أن يسبب فزعاً، أو تحرشاً، أو ضيقاً بما يخالف أحكام قانون النظام العام». واستجابة لذلك، كتب ٢٢ زعيماً مسلماً إلى جريدة التايمز البريطانية يطالبون بالحق في أن يتمكنوا من «التعبير عن آرائهم بحرية في جوٍّ خالٍ من الخوف أو التنمُّر». وهؤلاء الزعماء ذاتهم هم الذين رفضوا منح هذا الحق للصحف التي نشرت صوراً كاريكاتيرية عن محمد. وتريد المجموعات الداعمة لحقوق المثليين أن يُحاكم المسلمون (ومغنُّو الراجا السود) بسبب إرهابهم للمثليين، في حين تطلب هذه المجموعات الحق في أن تنتقد المسلمين حسبما ترى ذلك مناسباً. ويريد نيك جريفين، زعيم «الحزب الوطني البريطاني»، أن تتاح له حرية الترويج للكراهية العنصرية، في حين يرغب في حبس علماء الدين الإسلامي الذين يفعلون الشيء ذاته، وهكذا دواليك. والفائز الوحيد في كل هذا هو الدولة التي تتزايد رقابتها على ما يمكن أن يقوله أي منا إلى الآخر.

لماذا نتحدث كثيراً جداً عن خطاب الكراهية هذه الأيام؟ يرجع ذلك في الغالب إلى أن هذا النوع من الخطاب قد أصبح أحد وسائل إعادة توصيف الأفكار المتطرفة للتأكيد على محتواها الأخلاقي؛ وبعبارة أخرى، إعادة توصيف المطالبات السياسية البغيضة على أنها نقاشات غير أخلاقية.
ونتيجة لكل هذا، أصبحت الفروق بين المضايقة، وإثارة الكراهية، والتحريض على العنف ضبابية. وهذه الفروق في غاية الأهمية، لأن المضايقة ليست مقبولة فحسب، ولكنها ضرورية أيضاً في مجتمع ديمقراطي صحي. أما إثارة الكراهية فقد تتسبب في خلق مشكلات سياسية واجتماعية لا يمكن حلها عن طريق التشريعات المقيدة لحرية الخطاب. وينبغي أن يُعتبر التحريض على العنف جريمة، لكن فقط عندما يتم تعريفه بشكل محكم، أكثر بكثير مما هو عليه الآن.


وقد تجسدت ضبابية التصنيف وتوسع القانون في تجريم الأفكار في التشريعين الصادرين مؤخراً اللذين تماديا في تقييد حرية الخطاب، فقد شدد أحدهما الرقابة على تمجيد الإرهاب، من ناحية، فيما شدد الآخر الرقابة على التحريض على الكراهية الدينية، من ناحية أخرى. وأصبح التحريض المباشر والمتعمد على الأعمال الإرهابية، سواء حدثت نتيجة هذا التحريض أم لم تحدث، جريمة جنائية منذ بعض الوقت. والجديد في هذا الصدد هو الاتجاه نحو تجريم التحريض غير المباشر متمثلاً في تمجيد الإرهاب أو الدفاع عنه. وهناك غموض متعمد في «قانون الإرهاب البريطاني لسنة ٢٠٠٦» حول ما يشكل تمجيداً للإرهاب، ولا يتطلب القانون إظهار نوايا المتهمين بهذه الجريمة.


إن ابتكار هذه الجرائم وصدور أحكام بالإدانة، ليس فقط في حق المتظاهرين ضد الرسوم الكاريكاتيرية، ولكن أيضاً ضد مثيري الاضطرابات من الإسلاميين من أمثال أبو حمزة وأبو عز الدين، قد أدى إلى اتهام الدولة بالإسلاموفوبيا، وزعْم أن القانون يستهدف المسلمين على وجه التحديد. وأصبحت معارضة الإسلام تسير جنباً إلى جنب مع تجريم انتقاد الإسلام. وأصبح حظر تمجيد الإرهاب يسير بالتوازي مع حظر التحريض على الكراهية الدينية، وهو القانون الذي استهدف في المقام الأول تهدئة مشاعر المسلمين. وبعيداً عن استهداف المسلمين، يحمل القانون على عاتقه مهمة تحديد ما يمكن لأي شخص، سواء كان مسلماً أو غير مسلم، أن يقوله عن الآخر. وقد أيَّد كثير ممن عارضوا قانون تمجيد الإرهاب تجريم قانون الكراهية الدينية بوصفه حماية للأقلية المحاصرة، فيما أيَّد كثير ممن عارضوا قانون تجريم الكراهية الدينية بوصفه انتهاكاً لحرية الخطاب المشروع حظر تمجيد الإرهاب بوصفه سلاحاً ضرورياً في الحرب على الإرهاب.


وتكمن المشكلة في أننا لا نستطيع أن ننعم بالأمرين معاً. فإذا دعونا الدولة إلى تحديد حدود الخطاب المقبول، فلا يمكننا أن نشتكي إذا لم يكن نوع الخطاب الذي نعارضه هو الشيء الوحيد الذي يتم تقليصه. ولا ينبغي أن تحدد الدولة ما يمكن أن يقوله المسلم، أو ما يمكن أن يقال عنه، أو عن أي شخص آخر في هذا الخصوص.


وينبغي أن يكون لدى سامينا مالك الحق في أن تكتب شعراً هزلياً يمتدح الجهاد. وينبغي أن يكون لدى المتظاهرين ضد الرسوم الكاريكاتيرية الدنماركية الحق في أن يهتفوا «اقصفوا الدنمارك». وينبغي أن يكون لدى رسامي الكاريكاتير الدنماركيين الحق في رسم صور كاريكاتيرية لمحمد حسبما يتراءى لهم. فمن السذاجة السياسية أن يتصور البعض أن العقوبات القانونية هي أفضل الأسلحة لمواجهة الأفكار السيئة أو العقول المشوشة. ومن الخطورة السياسية أن تتحول المسئولية إلى الدولة كي تحدد الخطاب المقبول أخلاقياً، سواء في قضية معاداة العنصرية أو في سياق الحرب على الإرهاب.

كنان مالك كاتب ومحاضرة مذيع و مقدم برامج في في المملكة المتحدة وكان قد كتب أيضا وقدم عددا من الأفلام الوثائقية الإذاعية والتلفزيونية بما في ذلك "المملكة مفككة"، "هل يُكره المسلمين؟" "الإسلام، والملالي ووسائل الإعلام"، و"الجمجمة و الرجل"، البهيمة والسياسة. توجد كتاباته على www.kenanmalik.com. و يمكنك تتبعه على تويتر على www.twitter.com/ kenanmalik

درس بيولوجيا الأعصاب (في جامعة ساسكس) وتاريخ وفلسفة العلوم (في امبريال كوليدج في لندن).

أقرأ المزيد لـ:  كنان مالك

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم