الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الحياه

ما هي الفتوى؟ ومن يستطيع أن يصدرها؟

الشيخ موسى فريبر

كأي نظام شرعي، ليس كل شخص مؤهلاً لإصدار الفتوى، التي يقصد بها ببساطة أي حكم إسلامي غير ملزم. وثمة علم كامل، يعرف باسم آداب الفتوى، يجب على من يتطلع لإصدار الفتاوى (أو الشخص المعروف بأنه مفتي) أن يدرسه حتى يتأكد من أن كل أحكامه واضحة، ودقيقة، وصحيحة.


في مؤتمر عُقد مؤخراً بالقاهرة، أصدر الإمام هاشم إسلام فتوى لشعب مصر مفادها أن إحدى المظاهرات التي كان يتم الإعداد لها بهدف انتقاد رئيس مصر محمد مرسي غير شرعية؛ لأن الرئيس المنتخب حديثاً هو، في الواقع، الرئيس الشرعي للبلاد. وعلاوة على ﺫلك، جاء في الفتوى أن المظاهرة تُعتبر رِدَّةً عن الديمقراطية والحرية، وأن المشاركين فيها يُعتبرون من مرتكبي جريمتي الحِرابة والخيانة العظمى.


وبناء عليه، ينبغي على «شعب مصر» أن يتصدى لهؤلاء المتظاهرين، وإﺫا قاوموا بالقوة، فعلى «شعب مصر» أن يرد عليهم بالقوة. وإﺫا قُتل أحد أفراد «شعب مصر»، فسيكون مثواه الجنة، في حين إﺫا قاوم أحد المتظاهرين، فلن يُسأل أحد عن موته أو يكون ملزماً بدفع الدية إلى أسرته.

سواء كان مُصدر الفتوى مؤيداً أو معارضاً لقوة سياسية معينة – سواء تمثلت ﻫﺬه القوة في الرئيس المصري السابق حسني مبارك، أو الرئيس الحالي مرسي، أو الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو. بوش – ينبغي ألا يؤثر ﻫﺬا مطلقاً في الفتوى الصادرة عنه.
وقد قوبلت ﻫﺬه الفتوى باحتجاج شعبي عنيف. وقد ادعى ﻫﺬا الواعظ أنه جزء من المؤسسة الرسمية التابعة لجامعة الأزهر المسئولة عن إصدار الفتاوى الدينية، ومن المفترض أن ﻫﺬه الصفة هي التي أعطت آراءه وزناً. وفي أعقاب تصريحات ﻫﺬا الواعظ، جاء الرد قوياً من وزارة الأوقاف، وﻛﺬلك جامعة الأزهر، حينما نفت ادعاء الواعظ بأن له أي صلة بجامعة الأزهر، باستثناء حقيقة أنه أحد خرّيجيها، وشددت على ضرورة تجاهل رأيه. وحتى جماعة الإخوان المسلمين، التي ينتمي إليها مرسي، رفضت الفتوى.


ومن الواضح أن المؤسسات الدينية الرئيسية ترفض ﻫﺬه الفتوى. ومع ﺫلك، فقد أثارت ﻫﺬه الحادثة عدداً من النقاط: ما الفتوى؟ ومن يستطيع أن يصدرها؟ وما عواقب الفتوى عموماً؟ وما المقصود من ﻫﺬه «الفتوى» بالتحديد؟


وكأي نظام شرعي، ليس كل شخص مؤهَّلاً لإصدار الفتوى، التي يُقصد بها ببساطة أي حكم إسلامي غير مُلزِم. وتُكتسب أهلية إصدار الفتوى من دراسة شرعية صارمة نابعة من تقاليد الفقه الإسلامي، مع التمكن من مذهب فقهي معين، والتدريب على التطبيق العملي لمبادئ ﻫﺬا المذهب على الموضوعات المعاصرة. وثمة علم كامل يُعرف باسم «آداب الفتوى» يجب على من يتطلع لإصدار الفتاوى (أو الشخص المعروف بأنه «مفتي») أن يدرسه حتى يتأكد من أن كل أحكامه واضحة، ودقيقة، وصحيحة.


ويمكن أن تصدر الفتاوى عن عدد من الفقهاء المختلفين في أي مكان أو زمان، ولكن قد يجد هؤلاء الفقهاء أن أحكامهم لن يتبعها سوى من يختارون ذلك طوعاً. وفي مصر، تتمثل أشهر مؤسسة يقصدها المصريون للحصول على الفتاوى في: دار الإفتاء المصرية تحت قيادة مفتي الديار المصرية. وأنا أعرف ﻫﺬه المؤسسة جيداً، لأنني تدربت فيها على إصدار الأحكام الشرعية، التي يصدر منها المئات يومياً. وﻫﺬه المؤسسة ﺫاتها، رغم أنها جزء من وزارة العدل (مما يجعلها مؤسسة تابعة للدولة)، ليس لديها القدرة على ﺗﻨﻔﻴﺬ قراراتها. كما أن القدرة على ﺗﻨﻔﻴﺬ الأحكام الشرعية في مصر يتم منحها بشكل مستحق إلى سلطات الدولة، أي النظام القانوني.


وقد أثارت ﻫﺬه «الفتوى» الأخيرة بالتحديد العديد من المشكلات على مختلف الأصعدة فيما يتعلق بإجراءات إصدار الفتوى. فالتفاصيل المتاحة عن الفتوى ضئيلة، ويبدو أنها استندت إلى قراءة سياسية متحيزة للموقف. وتشكل ﻫﺬه النقطة وحدها أساساً لرفض «الفتوى»؛ لأن من شروط إصدار الفتوى ضرورة الالتزام بالحيادية وعدم التحيز. وسواء كان مُصدر الفتوى مؤيداً أو معارضاً لقوة سياسية معينة -سواء تمثلت ﻫﺬه القوة في الرئيس المصري السابق حسني مبارك، أو الرئيس الحالي مرسي، أو الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو. بوش- ينبغي ألا يؤثر ﻫﺬا مطلقاً في الفتوى الصادرة عنه.

وبينما لا يكون المفتي عادة ملزماً على الدوام بأن يقدم دليلاً على رأيه، فإن عليه أن يقدم تفاصيل فتواه حينما تستدعي الحاجة ذلك، مثلاً إذا كان عدم تقديم التفاصيل يمكن أن يؤدي إلى إساءة استخدام فتواه. 
وهناك شروط يجب استيفاؤها قبل أن يُعتبر أي شخص، في ظل الشريعة الإسلامية، قاطع طريق أو مذنباً بارتكاب الخيانة العظمى، وﻫﺬه الشروط مبينة بشكل واضح في كتب الشريعة الإسلامية المختلفة. ولا تشير ﻫﺬه الكتب إلى أن المشاركة في المظاهرات أو التعبير عن الاختلاف مع الحكام، في حد ﺫاتهما، يمكن اعتبارها من أعمال قطع الطريق أو الخيانة العظمى.


وحتى إذا استوفت المظاهرات المعايير القانونية للخيانة العظمى أو قطع الطريق (وهو ما لا ينطبق على المظاهرات)، فليس هناك أحد لديه سلطة تخول له أن يصدر حكماً مماثلاً سوى سلطات الدولة المسئولة عن حفظ القانون والنظام، لأن إصدار حكم كهذا يقع ضمن مسئوليات النظام القضائي، وليس الشخصيات الدينية ولجان الفتاوى. ومن جهة أخرى، ففي هذا الموقف كان المتحدث فرداً يتحدث بصفته الشخصية ويوجه كلامه علناً إلى «شعب مصر»، وليس قاضياً رسمياً تابعاً لجهة حكومية مختصة. إن فتوى هذا الإمام ليست في الواقع سوى دعوة إلى الشعب ليأخذ حقه بيده دون اكتراث بالقانون، وباستخفاف تام بالشريعة الإسلامية.


وعلى أي مُفتٍ أن يتفكر في التبعات المحتملة لفتواه وأن يزن ما إذا كانت فتواه ستحقق المقاصد النهائية للإسلام أم لا. وبينما لا يكون المفتي عادة ملزَماً على الدوام بأن يقدم دليلاً على رأيه، فإن عليه أن يقدم تفاصيل فتواه حينما تستدعي الحاجة ذلك مثلاً، إذا كان عدم تقديم التفاصيل يمكن أن يؤدي إلى إساءة استخدام فتواه. ومن جهة أخرى، فإن التصريح الذي صدر عن الإمام كان في الأساس بياناً صحفياً تم الإدلاء به خلال بضع دقائق، دون أي تفاصيل فعلياً. وفضلاً عن ذلك، لا يبدو أن مُصدر البيان قد فكر ملياً في التبعات التي ستحدث إذا اتبع الناس رأيه، خاصة أن إراقة الدماء هي إحدى التبعات المحتملة الواضحة لتطبيق فتواه. وبإصدار تصريحات بهذه الطريقة، فإنه يشجع على التقليل، وليس الإكثار، من تطبيق القانون والنظام، مما يزيد من احتمالات وقوع حرب أهلية.

وعلى المؤسسة الدينية في مصر أن تكون أكثر يقظة وأن تتأكد من عدم انخفاض المعايير الموضوعة على خلفية فضاء سياسي مليء بالتصورات الدينية. كما ينبغي أن تكون مشاركة المؤسسة الدينية على الدوام مصدراً للحكمة والأفكار المستنيرة، لا مصدراً للاضطراب والصراع.
وبالإضافة إلى المسألتين الإجرائيتين المهمتين اللتين سبق ذكرهما، هناك مسألتان أخريان. أولاً: إن فكرة اعتبار المظاهرات «رِدَّة» عن الديمقراطية والحرية، رغم أنها على الأرجح أداة خطابية خالية من أي معنى حقيقي، تعد أداة لا يمكن أن يستخدمها أي فقيه على الإطلاق لأنها مجرد شكل من أشكال الجدل الذي لا أساس له، وليس لها أي مكان في أي نقاش شرعي من أي نوع. وعلاوة على ذلك، نقلت مصادر كثيرة أن هذا الإمام قد ادعى أنه أحد أعضاء لجنة الفتوى الرسمية التابعة لجامعة الأزهر، وهو ادعاء رفضته جامعة الأزهر نفسها. إن ادعاء الإمام انتسابه إلى لجنة الفتوى بالأزهر حقيقة موضوعية يمكن التحقق منها؛ فإذا ثبت زيف الادعاء -ولم يكن مجرد تحريف للحقائق من جانب الصحافة، وهو أمر شائع- فإن هذا وحده كفيل باستبعاد الإمام عن إصدار الفتاوى. وبصراحة، من المحبذ أن تجري جامعة الأزهر تحقيقاً مع هذا الإمام، وأي شخص آخر يتصرف بهذا القدر من الاستخفاف كيلا تسوء سمعة الأزهر والدين على المستوى الشعبي.


ومع ذلك، فإن هذا النقاش يتخطى تفاصيل هذا الواعظ و«فتواه»، ومؤهلات المفتي وشروط الفتاوى. فالنقطة الأساسية هنا هي دور المؤسسات الدينية وإلى أي مدى يأخذ أعضاؤها هذا الدور بجدية. وعلى المؤسسة الدينية في مصر أن تكون أكثر يقظة وأن تتأكد من عدم انخفاض المعايير الموضوعة على خلفية فضاء سياسي مليء بالتصورات الدينية. ولا يمكن السماح بانخفاض المعايير أو إضعافها، بل ينبغي أن يتم رفعها وتعزيزها. كما ينبغي أن تكون مشاركة المؤسسة الدينية على الدوام مصدراً للحكمة والأفكار المستنيرة، لا مصدراً للاضطراب والصراع.

الشيخ موسى  فريبر هو زميل باحث في مؤسسة طابة ومُصدر أحكام مؤهل. حصل على رخصته لتقديم الفتاوى القانونية أو فتاوى من كبار العلماء في دار الإفتاء المصري بما في ذلك مفتي جمهورية مصر العربية.

أقرأ المزيد لـ:  الشيخ موسى فريبر

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم