الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الحياه

تصوُّر الثورة بصريًا: سياسات الرسم في ميدان التحرير

ايبوني كوليتو

كيف تشجع هذه الجداريّات على المشاركة السياسية؟ ما يعني أن نطلق علىها "جداريات" و "جرافيتي" في نفس الوقت؟وهل تعوق مهمة تفسير الرموز المركبة والخطوط الحكائية المجازية رسالة الفنان السياسية أم تحددها؟ 

                                                                                               
نظم مركز دراسات الترجمة، بالتعاون مع قسم البلاغة والكتابة بالجامعة الأمريكية، فعالية تحت عنوان «تصوُّر الثورة بصريًا: ملحمة جداريات التحرير». وتحدَّث في هذه الفعالية ثلاثة فنانين، وهم علاء عوض، وعمار أبو بكر، وهناء الضغام، عن أعمالهم بصحبة الصحفي المشارك معهم أحمد أبو الحسن. 

كيف تشجع هذه الجداريّات على المشاركة السياسية؟ ما يعني أن نطلق علىها "جداريات" و "جرافيتي" في نفس الوقت؟وهل تعوق مهمة تفسير الرموز المركبة والخطوط الحكائية المجازية رسالة الفنان السياسية أم تحددها؟
وتوليتُ تنسيق الفعالية مع سامية محرز بُغية توفير مساحة للتفكير في أنماط التفاعل التي استُلهمت من الجداريّات إلى ما وراء تبادل الصور الرائعة عبر شبكة الإنترنت نحو تداخلها مع الدوافع السياسية والتبعات المترتبة على الأعمال الفنية في الساحات العامة على مستوى الشارع في القاهرة. وقد أمَّلنا أن تثير هذه الحلقة النقاشية الحوار والجدل حول سياسات الرسم في الشوارع/ الساحات، محركة لأسئلة مثل: كيف تشجع هذه الجداريّات على المشاركة السياسية؟ وهل تعوق مهمة تفسير الرموز المركبة والخطوط الحكائية المجازية رسالة الفنان السياسية أم تحددها؟ اجتذبت الرسومات المئات إلى الشارع؛ البعض منهم لالتقاط صورة له بصحبة الأسرة أو الأصدقاء على خلفيتها، بينما التقط البعض صورًا لاستخدامها في مقالاته وكتبه حول الفن في الثورة. تحدَّث الجميع عن حجم العمل ومفاجأته التي حوَّلت الشارع الذي اتَّسم بالعراك والانقسام حول دعم المقاومة الجسدية التي أدت بدورها إلى فقدان العديد من الأرواح. 


حضر أبو بكر وعوض وهناء الضغام مع بعضهم بصحبة مجموعة متنوعة من الفنانين للعمل في شارع محمد محمود في شهر فبراير. وصل أبوبكر وعوض صبيحة ليلة مذبحة بورسعيد، وهو ما ينمُّ عن بصيرة ثاقبة، وكان في النية الانتهاء من بضع قطع صغيرة ثم العودة إلى الأقصر بمواد جديدة لاستخدامها في مشروعات محلية، ولكنهم بقوا لمدة شهرين في سباق للرسم غطت تفاصيله جدرانًا جديدة كل يوم. ودعونا الفنانين الثلاثة بوصفهم شركاء تربطهم أواصر المنهجيات الجمالية الخاصة بفن الجرافيتي علاوة على جهودهم لإقامة حوار فيما بين الصور التي تطورت لتصبح رسومات جدارية ضخمة. وأقدم الفنانون على الرسم لساعات متواصلة أمام المارة متشاركين في الإيمان بأن التعليق البصري من الممكن أن يمثل دعوة فعّالة للعمل بل وأسلوبًا لاستثارة الحوار الجماهيري حول كيفية مساءلة الحكومة ومقاومة حكم المؤسسة العسكرية، مع تطوير استراتيجيات جديدة بصورة إبداعية لحل المشكلات السياسية والاجتماعية المتفاقمة في مصر. 

 

وعلى الرغم من أن أحداث بورسعيد ألهمت ضرورة العمل، فقد تصدى الفنانون لعدد من القضايا المحددة التي تشمل القيادة السياسية والعلاقة بين الجيش والشعب ونوعية الحياة بالنسبة لأغلب أفراد الشعب المصري اليوم. ناقشت هناء الضغام عملها على الجدار تحت عنوان «نساء تحمل أنابيب الغاز»، وهي اللوحة المليئة بوجوه ظلالية تظل تلح على الذهن لنساء يحملن أنابيب الغاز على رؤوسهن، وقد قصدت أن تلتقط انشغال المرأة ببقاء الأسرة عقب مرور سنة على رحيل مبارك.

                                                                                                    
كما طورت هناء اللوحة عقب الانتخابات البرلمانية عندما انعقدت المقارنات في الجرائد بين طوابير الغاز الطويلة من ناحية وطوابير الناخبين على صناديق الاقتراع من الناحية الأخرى. وظلت فكرة امتداد طوابير للغاز أطول من طوابير الناخبين تشغلها أثناء مشاركتها في «أسبوع الجرافيتي المجنون» (MAD GRAFFITI WEEK) المهرجان المنعقد في مدينة برلين، ثم تعمقت هذه الفكرة وارتبطت بشكل وثيق بالأحداث عندما طورتها على هيئة جدارية في التحرير رسمتها تحت أعين الناظرين. أما لوحتا عوض بعنوان «النساء السائرات» و«النساء المرتقيات سلم الثورة»؛ فقد اجتذبتا اهتمامًا فوريًا بوصفهما فاصلاً جماليًا يبتعد عن مواد الجرافيتي وموضوعاته التقليدية. 


فقد جاءت اللوحتان بصيغة معدلة لمعبد الرامسيوم في الأقصر، وقد وضعهما في سياق جديد يشير إلى النساء المصريات اللاتي قُدن الحركات من أجل التغيير الاجتماعي في الماضي مقارنة بدور المرأة في الثورة اليوم. 

                                                                                              

وقد دل استخدام الفن الفرعوني في الإشارة إلى المصريين على أن الرسوم الفرعونية هي أصل فن الجرافيتي كما أنها تذكرة بالموارد الثقافية التي يمتلكها المصريون لاستلهام مقاومة الحكم الديكتاتوري - سواء أكان حكم مبارك أو الدولة العسكرية. 


وقد اجتذب الاهتمام بتفرد تلك اللوحات بوصفها نقطة تحول في فن الشارع في القاهرة بضع مئات للمشاهدة. غير أن ذيوع صيت اللوحات والرغبة في الحفاظ عليها كان له من يعارضونه. ففي أثناء إحدى المناقشات تساءل أحد فناني وعلى الرغم من أن أحداث بورسعيد ألهمت ضرورة العمل، فقد تصدى الفنانون لعدد من القضايا المحددة التي تشمل القيادة السياسية والعلاقة بين الجيش والشعب ونوعية الحياة بالنسبة لأغلب أفراد الشعب المصري اليوم.الجرافيتي عن الغرض من طلاء الجدران بالورنيش عندما اقترح علاء عوض إصلاح الألوان على الجدار. فقد رأى عوض أن ذلك ليس محاولة للحفاظ على هذا الفن للأجيال القادمة بل للحفاظ عليه ما بقي بوصف اللوحات تذكرة بصرية قوية للعمل على الاستمرار في الثورة. وكانت الألوان المستخدمة من النوع الرخيص، وتوقع الفنانون قصر مدة بقاء الرسومات على الجدران التي سوف يُرسم فوقها لا محالة، وسوف يعاد طلاؤها من جديد. ولكن الجداريّات بقيت لمدة كافية أدت إلى التفكير في تآكلها بفعل الأتربة والشمس على مدار الشهور. وافقت الجامعة الأمريكية على توفير الورنيش، وخصوصًا أن هذه الجداريّات تغطي جدران مباني الجامعة، علاوة على محاولة الجامعة مد يد العون لاستمرار الحوار السياسي الذي استثارته اللوحات. وطالب المؤيدون من أساتذة الجامعة، الذين رغبوا في حماية الجداريّات من إعادة الطلاء عليها من جانب السلطات، طالبوا الجامعة بأن تتدخل في هذه المرحلة الحرجة؛ بحيث تجعل عملية إعادة الطلاء صعبة إن لم تكن غير متاحة. 


ولكن مسألة الورنيش هذه تعدت النية الحسنة أو التدخل المؤسسي أو حتى التآكل الطبيعي للرسومات. فكما طرح السائل سؤاله؛ هذه قضية مبدأ: لماذا يرغب أي شخص في الحفاظ على رسم الجرافيتي الذي يعني حسب تعريفه أنه شكل من أشكال الفنون الزائلة؟ هل تقوّض وضعية «الجدارية» معركة الفُرَش التي تلتقط الثورة أثناء حدوثها أم تشوّش عليها، بحيث لا تصبح مجرد صياغة تذكارية للأحداث الماضية؟


وقد اتفق أبوبكر مع ذلك الرأي وعارض بشدة الطلاء بالورنيش. ولأنه رسام للبورتريهات الضخمة ملتزم بهذه النوعية من الرسومات فقد بدأ بصورة «الأعين المفقوءة» في الخريف الماضي وصولًا إلى بورتريه شهداء بورسعيد الأخير، أشار إلى الرسومات بوصفها نتاجًا لهذه اللحظة مع توقعه المزيد من الشهداء والمزيد من المعارك التي سوف يرسمها الفنانون مكانها. وعلى الرغم من اتفاق عوض على هذه النقطة فقد أصر على أهمية الصبغة المستخدمة لإمكانية رؤية العمل بوضوح بوصفه تعليقًا سياسيًا عن بُعد. أما هناء الضغام التي قد تكون رسمتها الجداريّة الكبيرة أكثر الرسومات هشاشة، لأنها في أغلب أجزائها تعتمد على الرسم بالفحم، فقد قالت إنها لا تمتلك العمل وليست في موقع يسمح لها «بالحفاظ» عليه أو الامتناع عن ذلك، فهي تراه هدية للناس يفعلون بها ما يشاءون. 

                                                                                           

استضفتُ في اليوم التالي «حفلة للتلميع بالورنيش» بروح أكثر حساسية تجاه الغرض من التلميع وتجاه ما يفضله الفنانون. وأعطيت تعليمات واضحة بالامتناع عن تلميع عمل أبوبكر بما يتسق مع فلسفته بأن هذا الفن زائل؛ متوقعة إعادة رسم عنيفة معارضة للرسالة السياسية التي تقدمها اللوحة الجدارية. وقد كانت لوحة هناء الضغام شهيرة وآسرة ولكن مصيرها للزوال كان أسرع من الباقيات، لذا اتفقنا على أن رشة خفيفة من مثبت الألوان قد تحميها -ولو مؤقتًا- من التلوث اليومي ورياح الخماسين في القاهرة. حضر قرابة العشر طلاب للمساعدة، تعرّف البعض منهم على أشكال الشهداء المرسومة على الجدران من أيام الاحتجاجات في ميدان التحرير على مدار السنة الماضية، في حين كان البعض الآخر من الطلاب ينزل إلى الشارع للمرة الأولى منذ ١٢ فبراير ٢٠١١

 أما هناء الضغام التي قد تكون رسمتها الجداريّة الكبيرة أكثر الرسومات هشاشة، لأنها في أغلب أجزائها تعتمد على الرسم بالفحم، فقد قالت إنها لا تمتلك العمل وليست في موقع يسمح لها «بالحفاظ» عليه أو الامتناع عن ذلك، فهي تراه هدية للناس يفعلون بها ما يشاءون. 
حمل الطلاب اسطوانات الدهان وتسلقوا السلالم لوضع طبقة شفافة من مادة التلميع على لوحة «الربة نوت»، بينما تربع آخرون على الأرض لدهان النص الهيراطيقي للخرافة القديمة «تدمير البشرية» التي استُعيدت للتعليق على التزامات الجيش وانحرافات سلطته. ومع تحركنا بعناية مبتعدين عن صور الشهداء تدخّل المارة بالشارع وأخذوا منا اسطوانات الدهان لتلميعها، وذلك باستثناء الجداريات المرسومة على جدار المبنى اليوناني في الجهة المقابلة لشارع محمد محمود، وقد كان جدارًا مستقلاً بذاته. وشعر أطفال الشارع والباعة الجائلون أننا نسينا أجزاء مهمة من الجدار الأساسي، لذا تدخلوا لتوجيه الآخرين لاستكمال ما نسيناه، وذلك لما تكوَّن بينهم وبين الفنانين من صداقة على مدار الشهرين الماضيين، بل لقد ارتقوا السلم لإعطاء تعليمات بطريقة الدهان السليمة. أما راكبو مترو الأنفاق الخارجون من محطة أنور السادات فبدا أنهم يشعرون بالضيق في البداية متسائلين عما كنا نرسم على الجدران. ولكن ما إن شرحنا لهم المشروع حتى طلبوا منا أن يساعدونا وحملوا اسطوانات الدهان بحماس لإكمال العمل. 


وفي غضون أربعة أيام من فعالية «تصوُّر الثورة بصريًا» تغطت ثلاث لوحات على جدار المبنى اليوناني (بما فيها الصورة الأيقونية التي رسمها أبوبكر للشيخ عماد عفت وصورته الأخيرة لعصام عطا) بطبقة من الأسمنت وقّع عليها مؤيدو حازم أبو إسماعيل مرشح السلفيين المستبعد من سباق الرئاسة. وعقب ذلك بأسبوعين أزال بعض الناس هذه الطبقة الأسمنتية لاستعادة الرسم. وعلى حد قول هناء الضغام: هذا العمل هدية للناس والأمر متروك لهم للحفاظ عليه. 

  

الدكتورة ايبوني كوليتو هي أستاذ مساعد في البلاغة والتأليف في الجامعة الأميركية بالقاهرة. حاليا تقوم بتدريس دورات عن دور الكتابة والفنون البصرية في الثورات ومحو الأمية السياسية.

أقرأ المزيد لـ:  ايبوني كوليتو

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم