الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الحياه

"صوت الأنا" – قصة قصيرة

أحمد رباح

الاستاذ سلمان و طريقة تعامله مع شجار بين طفلين

في  طيات دفاتره، وبين ثنايا أوراقها، جلس الأستاذ سلمان مسترخيًا ومستمتعًا بلحظات من السكون النادر حدوثه في هذا الفصل الموصوم بالصخب الدائم، بل وفي أيٍّ من فصول تلك المدرسة شأنها في ذلك شأن قريناتها من المدارس الابتدائية في شتى البقاع، لحظات الصمت تلك لم تُهدى بل انتُزِعت انتزاعًا، فأطفالٌ في هذه المرحلة العمرية، يؤثرون الكلام على الطعام والصخب على الأدب، لم يكونوا ليجنحوا أبدًا إلى هذا الهدوء إلا بأمرٍ من الأستاذ سلمان الذي حثهم على تأمل عدة جُمل مطلوب من كل شريكين متجاورين في المقعد قراءتها وتدبر أجوبتها.


لم يدم هذا الحال طويلاً، فأصواتٌ لمناوشات ما لبثت أن تحولت إلى مشاحنات انتزعت الأستاذ سلمان من سطوره وهدوئه. وزَّع عينيه على الحاضرين ليُحدد مصدر الاضطراب الذي أفضى إلى صراخ في ثوانٍ معدودة.. وقد وُفِّق في مبتغاه، الصراخ كان لطفلين في المقعد الثاني من الصف الأوسط يبدو أنهما اختلفا على شيء ما فآثروا تسوية الحساب ذاتيًا وكأن الأستاذ سلمان، رغم طوله الفارع، غير مرئي، وكأن أوراقه ابتلعته! أدرك الرجل ذلك الاشتباك اللفظي الذي كان مرشحًا لأن يصبح اشتباكًا يدويًا لولا تدخله في وقت يكاد يكون مناسبًا، بصرامته المعهودة، ودون أخذ ورد أمر بتفريقهما ليقبع أحدهما في أقصى يمين الفصل والآخر في أقصى يساره متوعدًا إياهما بعقاب وشيك على سلوكهما غير المحمود، غير أن هذا العقاب لم يُرضِ أيًا من الخصمين.. فالأول يرى أن الأستاذ سلمان يحابي غريمه بأن أجلسه في المقعد الأول جهة اليمين وهو المخصص، كما جرى العرف، للمتفوقين وكأنه عاقب زميله بأن أكرمه! والثاني يرى أن الأستاذ نصَر خصمه عليه بأن أجلسه في أقصى يسار الفصل على المقعد المتاخم للنافذة وهو مقعد محسود، بلا شك، من يجلس عليه في أيام الصيف القائظ تلك! 


دق الجرس بصريره المزعج للجميع إلا للتلاميذ، فقد زفَّ لهم خبر انتصاف اليوم الدراسي وبدء موعد الفسحة فاندفع الأطفال من الفصل كحبات ذُرة تتقاذف من إناء ساخن، وكان الغريمان أول الخارجين. وبعد خروجهما أغلق الأستاذ سلمان الباب في وجه الآخرين. في زخم الفناء المكتظ بحبات الذرة المتماثلة تلك لمح وكيل المدرسة تجمعًا لعدد من التلاميذ لا يُبشِّر بخير أبدًا.. فخبرته التي أهدته إياها السنون تؤكد له أن في الأمر أمرًا، ولزامًا عليه أن يقتحم ذلك التجمع المريب توًا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وقد صدق حدسُه، فما أن وصل إلى تلك الدائرة البشرية وتخطى الرؤوس المتحلقة ليصل إلى مركزها حتى وجد طفلين يتشاجران بتبادل اللكمات والصفعات التي طال بعض منها جسده الذي انتصفهما ليُنهي تلك المهزلة؛ بوصول الوكيل تلاشى الصخب، وإن لم يفتر بعد الغضب. وبعبارات حازمة وبَّخ المتصارعين وأمر الأخصائي الاجتماعي، الذي حضر مهرولاً استجابة للنداء، بأن يوافيه بملفيهما حتى يخصم كل درجات السلوك منهما كجزاء أولي على تلك الفعلة.


انصرف الجمع كلٌّ إلى مقصده، وبينما الغريمان يعبران الفناء قاصدين فصلهما بعد أن نهرهما السيد الوكيل، وما أن التقوا في مدخل البناء، تبادلا القذف بوابل من السباب الذي يمكن توصيفه، إذا ما بدر من طفلين، بأنه خارج عن حدود الأدب والاحترام المفترض توافره في تلاميذ هذه المدرسة العريقة الأصول، وقع من سبابهما الكثير في أذن المدير الذي قادته الأقدار إلى الاستماع لجزء من هذا الحوار غير النبيل، فأحنق الرجل غضبًا وأمر مساعده باستدعاء الطفلين ومعلمهما والوكيل إلى مكتبه المُزيَّنة حوائطه بشهادات الإجادة والتمييز لبحث الموضوع، خبرات المدير العلمية التي اكتسبها من أسفاره الأوروأمريكية جعلته يسعى دومًا لعلاج المشكلات من جذورها بدلاً من بذل الجهد مع الفروع، فقرر استدعاء الطفل الأول ليسمع منه أصل المشكلة. بدأ "حافظ" يقص على المدير ما جرى من خلاف دب بينه وبين صديقه حينما شرعا في الإجابة عن إحدى الجُمل التي اشتركا في إجابتها كما أمرهما الأستاذ سلمان وقد كان نص الجملة 

(ذهب محمد ووالده إلى الحديقة)


هنا بدأ الجدال.. فـ"حافظ" وجد أن كلمة محمد هي التي تُعرب (فاعلاً) كما تَعلَّم في حصص النحو، بينما صديقه "عاصم" وجد أن كلمة والده أيضًا لابد أن تعرب (فاعلاً) لأن محمد ووالده قد ذهبا معًا إلى الحديقة، فكلاهما ذهب مما يجعلهما فاعلين وليسا فاعلاً وتابعًا! والقصة ذاتها أكدها الطفل الثاني عندما جاء دوره في القص؛ ابتسم المدير لمدى بساطة الخلاف وأجفل لغضبه الشديد من تلك الحلول السطحية التي عقَّدت الموقف، فاللوم كل اللوم واقع على عاتق المعلم والوكيل، أما التلميذان فقد جمعهما المدير وأفهمهما، بلهجة الأب الحكيم، أن الآراء مهما اختلفت لا يجوز أن يُصدِر أحد الحكم دون أن يستمع للآخر.. اقتنع الولدان بما سمعاه واحتضن أحدهما الآخر وانصرفا كما لو لم يختصما من قبل.. فتلك هي عادة الصغار؛ يسيرٌ إغضابهم ويسيرٌ إسعادهم.


لكن يبدو أن المدير قد اعتاد استسهال العقاب دون الاستماع لرأي أطراف المشكلة أنفسهم وهم.. أنت وأنا في هذه الحالة!".
أنهى المدير المشكلة الأولى وحان الوقت لعلاج الثانية، فأمر باستدعاء سلمان، المُعلِم، ومعه الوكيل وأسمعهما ما لا تطيقه أذن ولا يستطيبه قلب، ورفض رفضًا باتًا الاستماع إلى حججهما الواهية، كما وصفها، التي يحاولون بها تبرير ما قاموا به من "استسهال للعقاب دون الاستماع لرأي أطراف المشكله أنفسهم، وهم الطفلان في هذه الحالة".. على حد تعبيره؛ قرر المدير قرارًا نهائيًا بخصم أسبوع كامل من مرتبيهما كعقاب لهما، واستدعى الفراش ليفتح لهما الباب.. فلم يجدا بدًا من أن يمتثلا وينصرفا.


جلس المدير وحيدًا شاعرًا بحالة من الزهو بالنفس لنجاحه في التعامل مع المشكلة بأسلوب علمي رصين، قرر أن يكافئ نفسه بالاستماع إلى أغنيته المفضلة "way to success" للمطرب الإنجليزي من أصل كولومبي "ماركو إيفانتتش"، فتلك هي عادته عندما يحقق أي انتصار؛ خارج جدران حجرة المكتب وقف الوكيل بصحبة الأستاذ سلمان وكلاهما يحمل من الحزن والضجر ما لا يطيقه العقل، فأفضى سلمان بما في نفسه قائلاً: "ما هذا الظلم؟! لقد اتخذت قراري المبدئي بتفريق الطفلين مؤقتًا حتى يتسنى لي معرفة أصل المشكلة بالاستماع لزملائهما في فترة الفسحة لأستجلي حقيقة ما حدث من طرف محايد حتى أتخذ القرار السليم، غير أن المدير قاطع تلك الجلسة وأمر باستدعائي قبل أن أتمم عملي، بل وحتى صم عني الأذن وخصم لي أسبوعًا كما رأيت".


فعقب الوكيل بنبرة الأسى ذاتها قائلاً: "أما أنا فعندما شاهدت الولدين يتعاركان طلبت من الأخصائي أن يُحضر إليَّ ملفيهما لا لخصم الدرجات كما هددتهما لكن لكي أعلم هل يعانيان من مشاكل أسرية أو نفسية، وما إذا كانت تلك هي أول سابقة لهما أم لا حتى أتخذ قراري بناء على أسس منضبطة، لكن يبدو أن المدير قد اعتاد استسهال العقاب دون الاستماع لرأي أطراف المشكلة أنفسهم وهم.. أنت وأنا في هذه الحالة!".


تنهد سلمان والوكيل بحرقة ثم ذهب كلٌّ منهما إلى عمله، بينما النغمات تفوح من غرفة المدير وهو يردد كلمات أغنيته المفضلة بصوته المرتفع.

أحمد رباح حاصل على بكالريوس تجارة من جامعة عين شمس، نُشرت مقالاته في عدد من الصحف في مصر ، يقوم رباح بكتابة المقالات و القصص القصيرة و السيناريو.

أقرأ المزيد لـ:  أحمد رباح

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

 

تعليقات القراء
التعليقات التي تظهر هنا والآراء الواردة بها تعبر عن رأى كاتبها الشخصى وهي لا تمثل رأي ميدان مصر

سمر

Nov 11 2012 8:22:35:007AM

قصة جميلة
أسلوب الكاتب شائق جداً والقصة معبرة جداً.

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم