الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

السياسه

الدستور المنتظر.. رؤية تنموية

عبدالله ديوان

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل سيتماشى الدستور الجديد مع الدساتير الحديثة العالمية؟ وهل سيواكب روح العصر ويلبي تطلعات المصريين بعد ثورة يناير في التنمية بجميع أوجهها.


بين التفاؤل والإحباط والحذر ينتظر المصريون الإعلان عن نتاج عمل أعضاء جمعية الدستور المائة، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل سيتماشى الدستور الجديد مع الدساتير الحديثة العالمية؟ وهل سيواكب روح العصر ويلبي هل سيهتم الدستور بقضايا مثل الإنترنت وحق المواطن في الوصول إليه كمكون من مكونات حرية الاتصال والتعبير وخصوصًا بعد الدور الملحوظ الذي لعبة الإنترنت في إسقاط النظام ودعم حق استخدام الإنترنت للتجارة والصناعة؟  تطلعات المصريين بعد ثورة يناير في التنمية بجميع أوجهها والنهوض بمصر ومستقبلها وتعويض ما فاتنا في ظل النظام البائد؟ وهل سيتناول مثل أي دستور حديث المواضيع التنموية الهامة التي تكفل التنمية المستدامة والفعالة إلى جانب النص على السلطات والقوانين.؟


 فعلى سبيل المثال، وليس الحصر، هل سيهتم الدستور بقضايا مثل الإنترنت وحق المواطن في الوصول إليه كمكون من مكونات حرية الاتصال والتعبير وخصوصًا بعد الدور الملحوظ الذي لعبته الإنترنت في إسقاط النظام ودعم حق استخدام الإنترنت للتجارة والصناعة؟ وهل سيدعم الدستور الجديد صوت شباب مصر ودور المجتمع المدني كشريك في بناء الدولة؟ هل سيحمي الدستور تراثنا الثري من آثار وثقافات ولغات وإبداعات؟ هل سيكون العلم والتعليم وخلق مجتمع معرفي متقدم مما سيهتم به؟ هل سيهتم بالمشاركة الكاملة لذوي الاحتياجات الخاصة في كل شئون الدولة؟

 

هل سنتعلم من دولة مثل ناميبيا التي نصت في دستورها بعد استقلالها عن جنوب إفريقيا في عام ١٩٩٠ على حماية البيئة؟ فقد كانت ناميبيا من أوائل دول العالم التي نص دستورها على حماية البيئة، حيث أدرك الناميبيون أهمية الموارد البيئية في النهوض بوطنهم المستقل حديثًا بعد ٢٢ سنة من الحروب الأهلية الطاحنة وما توفره الموارد البيئية والأيكولوجية من فرص عظيمة لدفع عجلة التنمية وخصوصًا إدراكهم أهمية حماية الأرض التي دافعوا عنها لاستردادها وليس كما هو الحال عندنا من استرداد سيناء لتكون "حصالة" لاستثمارات بعض الأفراد القلائل، أو كما حدث في الإكوادور عندما نص دستورها على مواد توفر الحماية القانونية للطبيعة والنظام الأيكولوجي في ٢٠٠٨،إن اهتمامنا بمادة دستورية كتلك التي تهتم بالبيئة وحمايتها في مصر قد تشكل نقطة فاصلة في تحقيق الرؤية المبتغاة من خلق جزء كبير من التطور المنشود لمصر. وكذلك في المغرب في العام الماضي (٢٠١١)، وحتى في ظل الصعاب التي تشهدها المنطقة تميز واضعو الدستور بإعطاء البيئة الاهتمام اللازم للرقي بالبيئة، وقد نص الدستور المغربي في الفصل ٣١ على استفادة المواطنين المتساوية في الحصول على الماء والعيش في بيئة سليمة وحقهم في التنمية المستدامة. ونص في الفصل ٣٥ على أن تعمل الدولة على "تحقيق تنمية بشرية مستدامة من شأنها تعزيز العدالة الاجتماعية، والحفاظ على الثروات الطبيعية الوطنية، وعلى حقوق الأجيال القادمة"، كما نص الدستور المغربي على إنشاء مجلس بيئي إلى جانب المجلس الاقتصادي والاجتماعي الذين يُستشار في جميع التوجهات العامة للاقتصاد الوطني والتنمية المستدامة للمملكة المغربية. 

 

إن اهتمامنا بمادة دستورية كتلك التي تهتم بالبيئة وحمايتها في مصر قد تشكل نقطة فاصلة في تحقيق الرؤية المبتغاة من خلق جزء كبير من التطور المنشود لمصر،  فالاهتمام بالبيئة هو أكبر من مجرد الحفاظ على حق المواطنين في بيئة نظيفة والوصول إلى الموارد والمشاركة في إدارتها، كما نص عليه الدستور السابق والذي اهتم ببديهيات مثل النظافة والتي أرى أنه من المخجل الحديث عن شيء أساسي مثل هذا في عصرنا الحديث، والنظر لمشكلة البيئة على أنها مشكلة نظافة فقط، فيجب النظر لقضايا البيئة في إطار التنمية المستدامة التي تربط البيئة بمواضيع شتى مثل تلوث الهواء الذي نعاني منه خصوصًا في المدن الكبرى والأثر البيئي على الصحة والسكن وإدارة البحار، والتصحر الذي نعاني منه في مصر والذي رفعنا لمصاف أعلى دول العالم المتأثرة بالتصحر، وإدارة الموارد المائية التي بدأ الخلاف عليها

منذ سنين مع دول المنشأ لنهر النيل، ومشاكل الصرف الصحي، والتنظيم الزراعي، والتخلص من النفايات  وخصوصًا الخطرة، ومشكلة الاحتباس الحراري التي تهدد دلتا مصر والمدن الساحلية بالغرق، وذلك بالإضافة إلى مشكلة الحفاظ على التنوع الأيكولوجي "التنوع في الكائنات الحية" الثري في مصر الذي تأثر سلبيًا وبشدة في القرن الماضي وشهد اختفاء العديد من الكائنات الحية مثل فرس النهر والتماسيح والسباع والسلحفاة البحرية والعديد من النباتات، ويتوجب توفير الجهود اللازمة للتوعية عن مدى تأثير هذا الاختفاء على النظام البيئي الذي يؤثر بصورة مباشرة على حياتنا اليومية، فمثلاً يؤثر الصيد المجحف للسلحفاة البحرية التي تتغذي على قنديل البحر في بعض المدن الساحلية لمصر إلى انتشار القناديل التي تقتل الأسماك وتؤثر بشدة على الثورة السمكية وعلى مورد رزق الصيادين، ونفس الشيء بالنسبة لإلقاء مخلفات المصانع في البحر ونهر النيل، وكذلك يتوجب الاهتمام بالمحميات الطبيعية في مصر والتي وصلت لنحو الثلاثين محمية طبيعية من مختلف الأنواع ومن ضمنها محميات مدرجة ضمن قائمة التراث الطبيعي العالمي لليونسكو، ويغفل أكثرنا أهميتها، وكذلك الكنز المتمثل في الشعاب المرجانية في البحر الأحمر والتي تعد الأجمل والأثرى في العالم دون منازع والتي تتطلب آلاف السنوات لتتكون وثواني لتدمر من سفينة جانحة أو تعدٍّ من شخص متهور. 

وخلاصة القول أن الاهتمام بقضية مثل قضية حماية البيئة في مصر والنص عليها في الدستور سيوفر الحياة الكريمة للمواطن المصري من حيث خلق بيئة متكاملة وتوفير فرص عمل حقيقية وخلق نوع جديد من السياحة البيئية والداخلية، كما توفر لمصر الأمن الغذائي وتحميها من غرق سواحلها الشمالية ودلتاها المنخفضة عن سطح البحر. ويجب أن نضع نصب أعيننا أن النص على حماية البيئة بمختلف أوجهها  يجب ألا يكون النهاية المبتغاة ولكن  ورغم أن هذه المادة المقترحة لم تغط جميع أوجه حماية البيئة والتنمية المستدامة فهي محاولة ممتازة من منظمات المجتمع المدني المصري، قد توفر الرؤية المبدئية للدستور الجديد.يجب  أن يقوم المشرع بتجديد نص قانون البيئة ليتماشى مع متطلبات الرؤية القومية، ويجب تمكين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني من تطبيق هذه الرؤية وإلا كان كالجسد بلا روح، ويجب أن يتم تفعيل القوانين والمشاريع في ظل الالتزامات التي وضعتها الدولة على عاتقها من خلال التزامها بالعديد من الاتفاقيات الدولية الهامة مثل بروتوكول كويوتو للتغيرات المناخية وأجندة ٢١ للتنمية المستدامة وغيرها من الاتفاقيات.


وقد قامت بعض منظمات المجتمع المدني في مصر بالعديد من المبادرات لمناقشة ودعم وجود مادة دستورية أو أكثر في الدستور المصري، فعلي سبيل المثال هناك المبادرة التي قام بها مشكورًا مركز حابي للحقوق البيئية وبمساهمة حوالي تسع منظمات غير حكومية لوضع اقتراح لتعديل المادة ٥٩ من الدستور السابق. وتنص المادة المقترحة على "البيئة الملائمة حق للمواطنين، وواجب على شركاء التنمية الثلاثة (الأهلي - الحكومي - الخاص) حمايتها، وعلى الدولة أن تكفل الوصول للموارد البيئية والمشاركة في إدارتها والإمداد بالمعلومات اللازمة لذلك.

ويكف القانون آليات حماية مجرى نهر النيل، ويضمن حق المواطنين في المياه العذبة بما يؤدي إلى استدامة الموارد البيئية. ولا تسقط الدعاوى الناشئة عن الحقوق البيئية سواء كانت (مدنية أو جنائية أو إدارية) بالتقادم. ورغم أن هذه المادة المقترحة لم تغط جميع أوجه حماية البيئة والتنمية المستدامة فهي محاولة ممتازة من منظمات المجتمع المدني المصري، قد توفر الرؤية المبدئية للدستور الجديد. وهذا المقال هو مجرد محاولة ومثال لما نبتغيه من واضعي الدستور في أن يكون مناسبًا ليس فقط سياسيًا ولكن ليحقق التنمية الكاملة والمستدامة لمصر. 

عبدالله ديوان  تخرج من كلية الحقوق و حاصل علي درجة الماجيستير بإدارة الاعمال وناشط في مجال تنمية الشباب و أخصائي تنمية الشباب في مؤسسة قطر للعلوم و التكنولوجيا "Qatar Foundation" و رئيس مجلس إدارة مؤسسة مصر للشباب و التنمية  و يمكن متابعته علي تويتر : abdallahdiwan

أقرأ المزيد لـ:  عبدالله ديوان

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

 

تعليقات القراء
التعليقات التي تظهر هنا والآراء الواردة بها تعبر عن رأى كاتبها الشخصى وهي لا تمثل رأي ميدان مصر

سمر

Aug 27 2012 8:34:39:127AM


للأسف كثير من الأشخاص لا يدركون حتى الآن أهمية البيئة وكيف يمكن الحفاظ عليها بوسائل بعضها بسيط جداً. ومن كثرة احتقار المجتمع للبيئة يطلق كلمة "بيئة" على أي شخص تصدر عنه تصرفات دونية!!!

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم