الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الحياه

الثورة النسائية في الشرق الأوسط

ناعومي وولف

ترى انه عندما تتغير المرأة يتغير كل شيء، والمرأة في العالم الإسلامي تتغير الأن بشكل جذري


  من بين الصور الاكثر انتشارا في المجتمع الغربي حول البلدان الاسلامية هي تلك المتعلقة بالمرأة المسلمة: عيون المها، محجبة، مستسلمة، صامتة بشكل مثير، رقيقة وتشبه سكان قصور الحريم الخيالية، ولكنها منغلقة على نفسها خلف ستار التمييز بين الجنسين. فأين كانت هذه المرأة في تونس ومصر؟


‎في كلا البلدين كانت النساء المتظاهرات مختلفات تماما عن تلك الصورة النمطية التي رسمها لهن المجتمع الغربي، فقد كن يظهرن في الصفوف الامامية وفي لقطات الأخبار ومنتديات الفيس بوك، وحتى في مواقع القيادة في بعض الاحيان. في ميدان التحرير في مصر، واندفعت النساء المتطوعات، البعض منهن برفقة اطفالهن،  لدعم التظاهرات بطريقة منتظمة من خلال المساعدة في توفير الأمن والاتصالات والمأوى. وينسب كثير من المعلقين الطبيعة السلمية لتلك التظاهرات في مواجهة اعمال الاستفزاز والبلطجة الى تواجد الاعداد الكبيرة من النساء والأطفال.  


‎وقد ذكر بعض المحررين من المواطنين المتواجدين في ميدان التحرير- حيث ان أي شخص لديه هاتف خلوي كان بإمكانه ان يصبح صحفي- ان النساء اللواتي شاركن في المظاهرات كن من خلفيات اجتماعية متنوعة، فالعديد منهن أرتدين الحجاب واظهرت علامات اخرى تدل على الالتزام الديني، بينما كانت اخريات اقل تحفظا حيث كن يرحبن باصدقائهن بالقبلات ويدخنّ السجائر في الاماكن العامة. ‎


لكن النساء لم تكتفي فقط بتقديم الدعم وهو الدور المعتاد لهن في حركات الاحتجاج منذ عام ١٩٦٠ حتى التظاهرات الطلابية التي حدثت مؤخرا في المملكة المتحدة. فقد قامت النساء المصريات أيضا بتنظيم ووضع الاستراتيجيات وتدوين تقارير الاحداث، حيث تعرضت مدونات مثل زهرة الليل مرتضى إلى مخاطر جسيمة لإبقاء العالم على علم يوميا بالمشهد في ميدان التحرير وأماكن أخرى.


‎ومن الغريب ان دور المرأة في الثورات التي حدثت في منطقة الشرق الأوسط قد تم الاستهانة به بشكل مؤلم من الناحية التحليلية، فلم تقم النساء في مصر بمجرد «الانضمام» إلى  الاحتجاجات – بل كن قوة دافعة رئيسية وراء التطور الثقافي الذي جعل من التظاهرات شيء لا مفر منه. وما ينطبق على مصر ينطبق بدرجات متفاوتة على جميع أنحاء العالم العربي. فعندما تتغير المرأة، كل شيء يتغير، والنساء في العالم الإسلامي يمرون بمرحلة تغيير جذري.


 ‎إن أهم تحول هو التحول التعليمي، فمنذ جيلين، لم تكن تحصل سوى أقلية قليلة من بنات النخبة على تعليم جامعي. ولكن اليوم، تمثل النساء أكثر من نصف عدد الطلاب في الجامعات المصرية. ويجري تدريبهن على استخدام إمكانيات مؤثرة لم يكن لجداتهن حتى ان يتخيلن امكانية حدوثها كنشر الصحف (كما فعلت سناء السيف، في تحد لأمر حكومي بوقف العمل) وكذلك الترشح لمناصب قيادية في الانتخابات الطلابية وجمع التبرعات للجمعيات الطلابية وإدارة الاجتماعات.


‎في الواقع، أمضى عدد غير قليل من الشابات في مصر ودول عربية أخرى سنواتها التكوينية الأولى في التفكير بشكل تحليلي في البيئات المختلطة بين الجنسين، وفي بعض الاحيان قمن بالتحدي العلني للأساتذة الذكور في الفصول الدراسية. ومن الأسهل بكثير قمع شعب عندما يكون نصف عدد سكانه ضعيف التعليم ومدرب ليكون منقاد. ولكن، كما كان يجب أن يعرف الغربيون من تجاربهم التاريخية، فإنه بمجرد تثقيف النساء فمن المرجح ان يصاحب التحول الثقافي الهائل الذي يتبع ذلك المطالبة بالديمقراطية.  


‎كما أن طبيعة وسائل الاعلام الاجتماعية أيضا قد ساعدت في تحويل النساء الى قيادات للاحتجاجات والتظاهرات. فبعد عقد من الزمان قمت فيه بتدريس المهارات اللازمة للمرأة القائدة فأني أدرك تماما صعوبة جعلهن يقفن ويتحدثن من خلال هيكل تنظيمي هرمي. وبالمثل، تميل النساء إلى تجنب ان تكن الرمز في التظاهرات الذي كان في الماضي يقوم به عادة ناشط يتميز بالتهور والصوت العالي.  ‎


في مثل هذه الظروف - حيث يكون هناك منصة وتسليط للضوء وناطق رسمي- تكون المرأة خجولة في كثير من الأحيان ولذلك تبعد عن القيام بأدوار قيادية، ولكن وسائل الاعلام الاجتماعية الحديثة في ظل التقدم التكنولوجي غيرت من مظهر ومتطلبات القيادة اليوم. فالفيسبوك يلائم الطريقة التي تفضلها النساء في التعامل الاجتماعي حيث التعامل الفردي اصبح بنفس اهمية – إن لم يكن أهم – من سيطرة وتحكم الفرد.  ‎


ويمكنك ان تكون زعيما قويا على فيس بوك فقط عن طريق خلق «نحن»  كبيرة  أو يمكنك ان تكون فرد مثل الجميع في الصفحة الخاصة بك –  دون حاجة للتأكيد على الهيمنة أو السلطة. فقد نجح برنامج فيس بوك في تحقيق ما أخفقت فيه مؤسسات كبيرة خلال الثلاثين عاما السابقة بالرغم من الضغط النسائي، بالطريقة التالية:  حيث تمكن من خلق إطار يسمح للمرأة ببناء مجموعة «نحن» قوية تستطيع قيادة الخدمات اللازمة للنهوض بقضايا الحرية والعدالة على مستوى العالم.  ‎وبالطبع، لا يمكن لفيس بوك تقليل مخاطر الاحتجاجات. ومهما كان عنف الاحداث في المستقبل القريب في الشرق الأوسط، فإن الوقائع التاريخية لما يحدث عندما تبدأ النساء المتعلمات في المشاركة في حركات التحرير هو إنه يصبح حدثا يؤشر بنهاية أي شخص او جماعة ترغب في الحفاظ على الحكم عن طريق استخدام قبضة حديدية. ‎


فبمجرد ان بدأت فرنسا حركاتها التحريرية في ١٧٨٩، كتبت ماري ولستونكرفات التي شهدت تلك التمردات تقريرها الرسمي عن تحرر المرأة. وعلى نفس الغرار، بعد قيام النساء المتعلمات في أمريكا بالمساعدة في النضال من أجل الغاء الرق، اصبح موضوع المطالبة بحق المرأة في التصويت على جدول اعمال المظاهرات. وبعد ان قيل لهم في عام ١٩٦٠ ان «وضع النساء في الحركة معرض للخطر»، قمن بشن حركة نسوية اخرى– وهي الحركة التي تمخضت عن المهارات الجديدة للنساء والتخلص من الإحباطات القديمة.  


‎في كل مرة خاضت فيها النساء معارك من أجل حريات بلادهن، فبمجرد الانتهاء من تحقيق تلك الاهداف قمن بالمطالبة بحقوقهن النسائية. وحيث ان حقوق المرأة هي بمنتهى البساطة امتداد منطقي للديمقراطية فإن الحكام الطغاة في الشرق الاوسط يواجهون حالياً وضع سيكون فيه شبه مستحيل وقف نضال هؤلاء النساء من أجل الحرية- حريتهن وحرية مجتمعاتهن.

ناعومي وولف ناشطة سياسية و ناقدة اجتماعية و احدث كتاب لها «اعطني حريتي :دليل الثوريين الامريكيين»

أقرأ المزيد لـ:  ناعومي وولف

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم