الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

العالم

ثم ننتحب عندما يكرهوننا !

محمد خليل

دعونا نتوقف - شعب مصر - عن الحديث عن الماضي، وأن نتوقف عن الحديث عن دورنا الريادي في المنطقة، ونصبح بالفعل أمة قائدة.

 

 

لم يعد بالإمكان التحدث عن مصر على أنها الدولة الرائدة في المنطقة العربية، على الرغم من كل الوقائع التاريخية التي توضح ريادة مصر، فكيف يمكننا أن نكون حماة الوحدة العربية، والمناضلين ضد الوضع الراهن، وفي الوقت ذاته نتواطأ لإقامة حاجزٍ من الفولاذ بطول عشرة كيلومترات بين هذا البلد وفلسطين؟ تماماً كما يبنى «العدو» الحواجز لإغلاق الضفة الغربية والتعدي عليها، فنحن نساعدهم عن طريق تطويق غزة، غير أن حاجزنا المصنوع من الفولاذ لا يمكن اختراقه، ويبدو أشد قوة ومتانة ضد الشعب الفلسطيني، على الرغم من أنه قد يكون حاجزاً تحت الأرض. أستخدم كلمة «فلسطين»، وليس «غزة»؛ لأن غزة هي جزء من فلسطين، والخطاب السائد في الوقت الحاضر يجعلنا نفكر أن هناك كيانين: غزة والضفة الغربية، ولكني سأترك هذا جانباً الآن. 

 

خلال الحرب الأخيرة على غزة فقد النظام المصري السابق الكثير من شرعيته، وذلك من خلال وقوفه موقف المتفرج، مكتوف الأيدى، بينما يقصف الإسرائيليون غزةَ ما يقارب الشهر الكامل، تاركين ما يقرب من ١٥٠٠ قتيل، والكثير من الجرحى والمشرَّدين، أو بمعنى آخر المضطهَدين.

 

أفضل ما أمكن هذا البلد (مصر) أن يفعله للفلسطينيين هو الوقوف في المحافل الإعلامية، وشَجْبُ العدوان من كلا الجانبين! لم يكن هناك أي بيان يُسائل الإسرائيليين عن عدوانهم، فقد سَاوَتْ مصر بين قذائف حماس تجاه إسرائيل، والهجوم الشامل لآلة الحرب الإسرائيلية على غزة، فظلت الحدود مغلقة بيننا وبينهم، وعندما فُتحت بدا الأمر وكأننا نقدم خدمة لإخواننا في فلسطين.

 

‎فتح الحدود مع فلسطين سينفي الحاجة لشبكات الأنفاق، وسوف يجلب الكثير من السيولة من اقتصاد الظل إلى الاقتصاد الرسمي

واليوم تُنفِّذ حكومتنا مهمةً مشئومة في طي الكتمان، فتبني هذا الحاجز العملاق بيننا وبينهم لأسباب تتعلق بالأمن القومي؛ إذ إن شبكات الأنفاق المعقَّدة التي تمتد من غزة إلى سيناء، تُقوِّض بطريقةٍ ما أمْنَ هذا الشعب الذي كان عظيماً في السابق، بينما تسرع الحكومة فى بناء هذا الجدار، وتتردد شائعات أن التمويل يأتي من الخارج.

 

القول بأن الأسباب هنا تتعلق بالأمن القومي لا يمكن في الحقيقة دحضها، لكن الأسباب وراء بناء الحواجز يمكن إصلاحها، ففتح الحدود مع فلسطين سينفي الحاجة لشبكات الأنفاق، وسوف يجلب الكثير من السيولة من اقتصاد الظل إلى الاقتصاد الرسمي. فهل سيستمر عندها بناء الأنفاق؟ بالطبع، ولكن سيكون ذلك الاستثناء، وليس القاعدة.

 

ومن هنا فعلينا أن نحلل الوضع، ونُقرِّر موقفنا؛ هل نعتبر حماس منظمة إرهابية، أم أنها جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، وبالتالي لهم الحق في الدفاع المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلى؟ لماذا مِن حق إسرائيل أن تحصل على أحدث التقنيات العسكرية من الولايات المتحدة، بينما نحرم الفلسطينيين من الحق في حمل كلاشنكوفات (أبسط الاسلحة) باليه؟ لماذا استغرق الأمر وقتاً طويلاً من القوى المرتقبة في مصر للسماح لقافلة المساعدات بالوصول إلى غزة؟ وعندما سُمِحَ لها سارعنا بتقديمها وكأننا اصحاب الفضل لجذب الأضواء، وإظهار دعمنا لفلسطين؟

 

وقد لخص الشيخ محمد طنطاوي – شيخ الأزهر  قبل وفاته عام ٢٠١٠  - هذه الطبيعة الهزلية تجاه هذه القضية برمتها ، عندما أصدر فتوى تؤيد بناء هذا الجدار، من خلال مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر. [إذ ذَكَر المجمع أن: «من حق مصر الشرعي أن تقيم على أراضيها من المنشآت والسدود ما يصون أمنها وحدودها وحقوقها، وهذا الحاجز الحدودي الذي تقيمه السلطات المصرية بينها وبين قطاع غزة يعد من الحقوق الشرعية لكل الدول». مضيفاً «وإن من الحقوق الشرعية وضع الحواجز التي تمنع ضرر الأنفاق التي تتسبب في تهريب المخدرات وغيرها مما يزعزع أمن مصر، ويهدد مصالحها تهديدا لا مفر من مواجهته»]. وللردع أكَّد البيان أن الذين يعارضون بناء هذا الجدار يخالفون ما أمرت به الشريعة الإسلامية.

 

حقيقة الأمر هي أنه لم يعد يتأتَّى لنا أن نعتد بشعبنا بوصفه شعباً عظيماً، وبالتأكيد فإن هناك العديد من الشخصيات العظيمة من هذا الشعب، وكيف أننا سمحنا لهذه العظمة بالتآكل هو أمر يبعث على الاكتئاب. فشعب كشعبنا هذا به شخصيات عظيمة في الماضي والحاضر، لا يستطيع أن يستند بعد اليوم على أمجاده التاريخية ولم يعد يُرحَّب بالمصريين في العالم العربي، كما كان الأمر في الماضي. هذا هو الوضع؛ إذ يمكن أن نذهب إلى السودان، ونُعامل معاملة سيئة، دون القدرة على فعل أي شيء حيال ذلك، فخسرنا كل النوايا الحسنة التي حصل عليها هذا الشعب على مر السنين.

 

 إذا كنا نريد العظمة فنحتاج أن نظهرها، وأن ننهي الحديث عن كوننا رواد المنطقة، وعن كوننا قوة للخير في العالم. فمصر لم تعد عظيمة كما كانت، وليس بإمكاننا الاستمرار في أن ننتحب عندما يكرهوننا الآخرون، وليس لدينا هذا الحق، خسرنا - ولا نزال نخسر - أي شكل من أشكال حُسْن النية التي نملكها في المنطقة، إلا مع الإسرائيليين.

 

وبصراحة، فنحن من خلال بناء هذا الحاجز نُنفِّذ - على ما يبدو - أوامرهم، ولكن التاريخ يظهر شيئاً واحداً؛ الأسوار تُبنَى لكي تُهدَم أو تخرق، فقد سقط جدار برلين، وانتُهِكَ سور الصين العظيم، وهذا الحاجز المروع بين مصر وقطاع غزة، وإن كان تحت الأرض، فسوف يُخترَق.

 

فشعب كشعبنا هذا به شخصيات عظيمة في الماضي والحاضر، لا يستطيع أن يستند بعد اليوم على أمجاده التاريخية

إذا أردنا أن نسمي أنفسنا أمة عظيمة مرة أخرى يجب أن يكون هذا بالفعل، وليس بالكلام. نحن بحاجة إلى إشراك أنفسنا بفعالية في سياسات المنطقة، وعلينا أن نضع حدّاً للهمجية في سوريا، وأن نصبح شريكاً حقيقياً وملتزماً وأميناً في عملية السلام بين إسرائيل وفلسطين، وأن نضع حدّاً للفشل في الصومال.

 

وإذا أردنا حقّاً استحقاق عظمتنا فسنكون عندها - الحكومة المصرية والمؤسسة الرسمية - في طليعة إعادة بناء ليبيا، وليس من خلال إرسال القوى العاملة التي يحتاجونها فقط، فنحن بحاجة أن يكون لنا دور أكبر بكثير من مجرد توفير العمالة، فنحن بحاجة إلى الاستثمار هناك، وتعزيز علاقاتنا معهم، وربما حتى إنشاء اتحاد اقتصادي مع الدولتين الأخريين في شمال إفريقيا، اللتين خاضتا الثورة في العام الماضي. دعونا نتوقف - شعب مصر - عن الحديث عن الماضي، وأن نتوقف عن الحديث عن دورنا الريادي في المنطقة، ونصبح بالفعل أمة قائدة.

محمد خليل يعمل في البنك التجاري الدولي، تخرَّج في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ونال بكالوريوس العلوم السياسية، مع تخصص فرعى في إدارة الأعمال .وهو كاتب شغوف

أقرأ المزيد لـ:  محمد خليل

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

 

تعليقات القراء
التعليقات التي تظهر هنا والآراء الواردة بها تعبر عن رأى كاتبها الشخصى وهي لا تمثل رأي ميدان مصر

سمر

Aug 19 2012 10:56:07:877AM

مقال رائع
أرجو أن يقرأ كل مصري هذا المقال حتى يستفيد منه وتعود مصر إلى الريادة التي تستحقها بالعمل وليس بالقول.

Tisha

Apr 22 2017 11:23:11:203AM

erprTYAnrwPuBRNmuMbV
hehe, the peanut dispenser is just too cute! the food looks lovely! and the vodka soaked watremelon? genius! ohh, i am so going to have to try it one day :)love, jazzabelle. xxx

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم