الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

السياسه

المسار الثوري المضطرب في مصر: عودة إلى الأساسيات

حسام الحملاوي

 

بينما ينعي كثيرون في مصر "وفاة الثورة" و"الانقلاب العسكري" الذي تلاها، حان الوقت للتأكيد، أو إعادة التأكيد، على بعض النقاط:

1- إن الحديث عن وقوع انقلاب عسكري في يونيو 2012 يفترض أن مصر كانت تديرها حكومة مدنية منذ الإطاحة بمبارك، وهذا أمر مضحك للغاية. فقد وقع الانقلاب العسكري فعليًا، بالتقريب، منذ 11 فبراير 2011 عندما استطاع الثوريون الإطاحة بمبارك، وحل محله جنرالات من الجيش اختارهم بعناية. 

 

2- سيطر المجلس العسكري على "المرحلة الانتقالية" منذ بدايتها، واستخدم كل ما لديه من أسلحة دستورية وقانونية وسياسية ليشكل ملامح هذه المرحلة، ولم يتردد في استخدام الرصاص عندما فشلت "قوته الناعمة".

 

لن تستقر دعائم أي ثورة في 18 يومًا أو 18 شهرًا. وإذا اتفقنا جميعًا على أن هذه حرب مع النظام ستستمر لسنوات عديدة، فلماذا إذن بدأ الجميع فجأة يشعرون بالذعر ويقولون: لقد انتهت الثورة؟ وهل توقع أحد أن الثورة ستكون منحنى خطيًا واحدًا من الانتصارات؟

3- المجلس العسكري هو الأحرص من بين جميع اللاعبين السياسيين على "تسليم السلطة" إلى حكومة مدنية. وحتى ساعة كتابة هذا المقال، وعلى مدى الأسبوع الماضي، كانت ناقلات الجنود المدرعة والشاحنات العسكرية تجوب الشوارع، وتوزع البيانات، وتشجع الناس على التصويت في الجولة الثانية من الانتخابات. وواصل تلفزيون الدولة بث رسائل إعلانية مشابهة، بعضها مباشر والآخر غير مباشر. ويريد المجلس أن "يرحل" ويعود إلى الثكنات، ولكن مع تأكيدات قانونية وسياسية ودستورية بأن وضعه، وامتيازاته، وسيطرته على الاقتصاد، وقدرته على صنع القرار ستظل دون تغيير. باختصار، يحلم المجلس "بالنموذج التركي" القديم.

 

4- لن تستقر دعائم أي ثورة في 18 يومًا أو 18 شهرًا. وإذا اتفقنا جميعًا على أن هذه حرب مع النظام ستستمر لسنوات عديدة، فلماذا إذن بدأ الجميع فجأة يشعرون بالذعر ويقولون: لقد انتهت الثورة؟ وهل توقع أحد أن الثورة ستكون منحنى خطيًا واحدًا من الانتصارات؟ لا شك في أننا نمر بمرحلة كارثية عندما تكون الثورة المضادة في وضع الهجوم، ولكن علينا ألا نتوقع بأي شكل من الأشكال أن الثورة قد انتهت. فكم مرة سمعنا أو قرأنا على مدى السنة والنصف الماضية المقولة التالية: "لقد انتهى الأمر! هُزمت الثورة"، حتى نتفاجأ بعودة المظاهرات إلى الشوارع، والاعتصامات، والإضرابات العمالية التي تجبر المجلس العسكري على التراجع.

 

5- ما زالت هذه الثورة بدون قيادة، ويرجع ذلك ببساطة إلى أن المجموعات السياسية الموجودة تفتقر إلى الدعم الكافي من القاعدة الشعبية على الأرض كي توجه مسار الثورة. ومن ثم، فإن أي اتفاق سياسي بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة وأي قوة سياسية بهدف تهدئة المظاهرات أو الإضرابات العمالية سيكون عديم الجدوى.

 

6- الإضرابات العمالية، التي تجسد الأمل الوحيد لإسقاط النظام، لا تستمر أبداً في منحنى خطي صاعد. فشأنها شأن المظاهرات في الشوارع، تتعرض أيضًا إلى المد والجزر. ومع ذلك، تبقى الحقيقة أن موجة الإضرابات قد دخلت عامها السادس على التوالي دون أي احتمالات لوضع حد للاحتجاجات العمالية، ويرجع ذلك ببساطة إلى أن الأسباب الهيكلية والموضوعية لاندلاع الإضرابات ما زالت موجودة، ولا يستطيع أي مرشح رئاسي، ولا حتى نبي، أن يحل هذه المشكلات ما دام ظل النظام الليبرالي الجديد قائمًا.

 

7- شهدت الإضرابات العمالية، رغم افتقارها إلى قيادة موحدة، مواجهات مباشرة ومتكررة مع الجيش، وأثارت مشاعر وصاحبتها هتافات معادية للمجلس العسكري، وأحدثت خلافات مع أعضاء البرلمان المنتمين إلى الإخوان المسلمين أو الجماعات السلفية سواء الذين حاولوا أن يهدئوا الاحتجاجات العمالية في مناطقهم، وحتى لم يكلفوا أنفسهم عناء التدخل لمساعدة العمال في المقام الأول.

 

8- المعارضة الإسلامية ذاتها مليئة بالتناقضات والانقسامات الداخلية. إن الأداء المحزن للبرلمان (المنحل الآن)، والتعاون مع المجلس العسكري على مدى السنة الماضية، وعدم القدرة على تحقيق أي مكاسب وطنية ملموسة للشعب خلال عمر البرلمان المنحل القصير لا يمكن أن يعني غير أن التحرر من الوهم السائد وسط قطاعات من الفقراء والشباب من المحتمل أن يتسارع.

 

ستمر سنوات عديدة قبل أن ينقشع الدخان. ويفتقر المعسكر الثوري إلى الأدوات الضرورية لرد الهجمات، وبعبارة أخرى، يفتقر إلى منظمة وطنية تضم أكثر قطاعات الحركات العمالية والشبابية تقدمًا فضلاً عن جبهة متحدة متماسكة تنسق بين المجموعات الثورية المختلفة في العاصمة والمحافظات.

9- هناك أسباب وجيهة تدعو إلى التوقع بأن البلاد مقبلة على أشهر عصيبة، لأن جهاز الحزب الوطني الديمقراطي (الذي لم يُحل تمامًا في الواقع) ألقى بثقله وراء شفيق في هذه الانتخابات، وشعر أعضاء الحزب بارتياح جعلهم يخرجون من مخابئهم بعد أن اختفوا عن أعين الجماهير مدة عام. كما تمت تبرئة جميع قيادات الأجهزة الأمنية في عهد مبارك، وكل يوم تصلنا أخبار عن تبرئة مزيد من ضباط الشرطة وأمنائها من جميع التهم الموجهة إليهم المتعلقة بقتل المتظاهرين. وعلى الرغم من أن قانون الطوارئ رُفع رسميًا منذ أسبوعين، فقد منح وزير العدل كلاً من الشرطة العسكرية وضباط المخابرات العسكرية سلطة القبض على المدنيين. وبدون وجود برلمان أو دستور، من المتوقع أن يتخذ الرئيس القادم (شفيق) إجراءات أمنية صارمة كاسحة ضد الناشطين من أجل الديمقراطية، ومجموعات المعارضة، والثوريين، بدعم كامل من المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

 

10- الجولة التالية من القمع لن تقضي على الثورة. ومرة أخرى، ستمر سنوات عديدة قبل أن ينقشع الدخان. ويفتقر المعسكر الثوري إلى الأدوات الضرورية لرد الهجمات، وبعبارة أخرى، يفتقر إلى منظمة وطنية تضم أكثر قطاعات الحركات العمالية والشبابية تقدمًا فضلاً عن جبهة متحدة متماسكة تنسق بين المجموعات الثورية المختلفة في العاصمة والمحافظات. وفي مثل هذه الأوقات العصيبة، حينما تعمل الثورة المضادة بكامل طاقتها، تصبح الحاجة إلى مثل هذه المنظمة أكثر إلحاحًا.

 

 

أقرأ المزيد لـ:  حسام الحملاوي

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم