الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الحياه

من التعجيز إلى التمكين... التعليم هو الحل

حنان بدر

التعليم  أكثر من مجرد الدروس في المدرسة. بل هو رؤية جوهرية بالنسبة لمستقبل الأمة. حالة النظام التعليمي للأمة يقول الكثير عن مستوى الساسة و الذي ينسب إلى الأفراد في أي مجتمع معين.

 

 

وسط مشكلات مصر التى لا حصر لها مع ضياع الأولويات والفرص والموارد المهدرة، يبقى التعليم من أكثر مشكلات مصر إلحاحا، وفى نفس الوقت أكثرها إمكانية لحل مشكلات أخرى، وذلك لأسباب كثيرة، أولها أن التعليم يساعد فى توعية المواطن منذ طفولته بحقوقه وواجباته وغرس قيمة الحوار والإنصات والتعبير عن الرأى باحترام، والاجتهاد فى إقناع الآخرين بالحجج والبراهين.

 

ومن المفترض أن يسفر التعليم عن تكوين شخصية مستقلة مسئولة ناضجة مبدعة، ولكن بدلا من ذلك تسفر الممارسات التعليمية فى أغلب مدارس مصر عن تلاميذ منهكة ملولة لا تعرف صلة ما تدرسه بواقعها اليومى، وتعانى من سلطوية المعلمين المنهكين هم أيضا.

 

السبب الثانى لأهمية التعليم يتمثل فى أنه أهم أسباب الحراك الاجتماعى الراهن فى مصر، وهو ما يستند ذلك إلى فرضية بسيطة مؤداها أن التعليم الجيد يتيح وظيفة جيدة براتب جيد بما يساعد صاحب المؤهل على الصعود الاجتماعي. قد يختلف البعض مع هذه الفرضية إذ يرون أن الصعود الاجتماعي غير مرتبط بشهادات، وبالطبع توجد أمثلة لقصص نجاح وصعود من لم يستكمل التعليم، لكن تبقى هذه استثناءات، ما زالت الغالبية من المصريين الكادحين تؤمن بقيمة التعليم فى تأمين مستقبل أطفالهم وإن سألتهم يقولون: «عايز أضمن لولادى يتعلموا كويس عشان يبقوا أحسن منى».

 

غياب العدل فى التعليم

 

ببساطة، التعليم الجيد يؤدي إلى وظيفة جيدة براتب جيد، يسمح للأفراد المؤهلين التقدم في المجتمع

ترتبط بذلك حقيقة محزنة، وهى غياب العدل فى التعليم، بمعنى أن هؤلاء الأكثر احتياجا إلى الصعود الاجتماعي غالبا ما لا يُتَح لهم التعليم الجيد، الذى يحتاجونه لإحداث الحراك الاجتماعي المنشود، بمعنى أن الفقراء هم الأكثر عرضة للتسرب من التعليم لافتقارهم البنية الأساسية للحياة الكريمة بما يحرمهم من استكمال التعليم وفرص الارتقاء رغم مجانيته المزعومة، أى أن العدالة فى التعليم التى تستند إلى معيارى الإتاحة وتكافؤ الفرص غير متوافرة لقطاع كبير من الشعب، خصوصا بما أفرزته السياسات التعليمية من ازدواجية فى النظام المصرى بين عام وخاص، بل وتغلغل هذا النمط فى التعليم العالى الحكومى من خلال استحداث أقسام أو شعبات دراسية لا تتاح سوى لمن يدفع مصروفات خاصة على سبيل المثال.

 

«التعليم أولا» أو «الفقراء أولا» ثنائية مصطنعة

 

والحقيقة أن ضرورة الاختيار بين «التعليم أولا» أو «الفقراء أولا» ثنائية مصطنعة، لأن التعليم يتيح تمكين المهمشين من موارد أكثر، صحيح بالطبع أنه يجب الالتفات إلى المهمشين والعمل على رفع الظلم فى كيفية توزيع موارد الشعب وتغيير السياسات الاقتصادية النيوليبرالية الفوقية. 
لكن لا يبرر ذلك تأخير التغيير الهيكلى بحجة أنه لا توجد أموال، لأن العائد من الاستثمار فى التعليم على المستوى الفردى بل حتى على مستوى الدولة سوف يعود على الدولة بفوائد كبيرة من خلال تفادى خسائر برفع مهارات المواطنين، فلنتخيل كمية الأموال المهدرة نتيجة سوء تدريب أو ضعف برامج التدريب فى مجالات كالصحة والطرق بل حتى على مستوى الحياة اليومية كاللجوء إلى السحر والشعوذة بدلا من البحث عن مناهج علمية فى حل المشكلات.

 

التعليم بصفته سلعة استهلاكية

 

أفرز الواقع المصرى رؤية تعتمد على «بيع» الشهادات لمن يرغب فيها، أصبح التعليم سلعة، بل وسلعة رديئة فى بعض الأحيان لا يتاح لغالبية الشعب بديل عنها حسب ما يتوافر فى إدارته التعليمية، والحقيقة أن التعليم الحقيقى ليس الشهادة، فهى ليست إلا وثيقة تؤكد إتمام عملية التعلم، ولكن فى مصر نشهد فجوة بين شهادات يجمعها الطلاب على جدران غرفهم وواقع مهاراتهم الحقيقية مما يصيبهم بصدمة فى سوق العمل.
ومن هنا لا تتم معالجة مشكلات التعليم الهيكلية بحذف تدريس اللغة الإنجليزية على سبيل المثال، وهو اقتراح غريب إن نُفِذ سوف يخلف المئات من مدرسى اللغة الإنجليزية العاطلين عن العمل، وأجيالا لا تجيد اللغة الأجنبية الأولى فى العالم من حيث الانتشار لغير الناطقين بها، وذلك فى بلد من المفترض أن 10% من دخله القومى من السياحة.

 

 
وعلى النقيض من ذلك يتمثل الحل المبدئى الجوهرى والذى لا فكاك من ضرورة تنفيذه إن عاجلا أو آجلا هو عودة إيمان المعلم برسالة التعليم، وذلك بجعلها مهنة جذابة من خلال رفع الأجور ودعم دافعيته لممارسة العمل فى بيئة إدارية منضبطة وغير فاسدة، بما يغنى غالبية المعلمين عن شر استجداء الدروس الخصوصية التى تعينهم فى الأساس على العيش دون الاضطرار للعمل فى الدروس مساء، وليس المقصود أباطرة الدروس المحترفين.

 

التعليم هو أداة التنمية البشرية الأولي

 

لا يُبرر تأخير التغيير الهيكلى بحجة أنه لا توجد أموال، لأن العائد من الاستثمار فى التعليم لا يعود على المستوى الفردى فقط بل سوف يعود على على مستوى الدولة بفوائد كبيرة ايضاً

ولا يقتصر التعليم هنا على فصول ومدرسين وتلاميذ بل التعليم فى الأساس رؤية لمستقبل البلد ويعكس مدى اهتمام صانع القرار بالعنصر البشرى، ويعكس غياب نظرة حكومات مصر للسكان كمورد وليس كعبء على طريقة «أجيب لكم تاكلوا منين» ازدراء النظام السابق وربما النخبة الحاكمة حاليا بعد سقوط مبارك للشعب.

 

ومن جانب آخر تشدد تقارير التنمية البشرية للعالم العربى المتتالية الصادرة عن المكتب الإقليمى للدول العربية فى برنامج الأمم المتحدة الإنمائى UNDP على أهمية تطوير التعليم بما له من إمكانيات هائلة فى خلق أجيال واعية ومنتجة، وفى هذا الصدد تجدر الإشارة إلى التقرير الجديد لعام 2012، وهو تحت الإعداد الآن، سوف يصدر بعنوان «من التعجيز إلى التمكين: تفعيل المستقبل العربى».

 


التعليم هو مفتاح الحل لمشكلات مصر وهو أداة التنمية البشرية الأولي.

 

حنان بدر كاتبة وباحثة مصرية معروفة في مجال الاعلام

أقرأ المزيد لـ:  حنان بدر

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم