الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

السياسه

تصبحون على مصر – خطاب مفتوح لأصحاب الضمير في الغرب

عمر البرغوثي

 

أتمنى لكم أن تصبحوا على مصر ! 

أتمنى لكم أن تكون لديكم قوة المقاومة، والنضال من أجل العدالة الاجتماعية والاقتصادية، والحصول على حرية حقيقية وحقوق متساوية. 

 

أتمنى لكم أن تكون لديكم إرادة ومهارة تحطيم حوائط السجن المغلق بإحكام. فأنا أعرف أن في عالمنا جدران السجون والأبواب السميكة التي لا تُخترق واضحة وضوح الشمس وطاغية وخانقة، ولذا نظل يقظين ومتمردين وقلقين وفي حالة استعداد ليوم حريتنا، يوم النور، عندما نجمع عددًا فيصليًا من قوة الجماهير تكفي لعبور ما ظل حتى الآن خطوطًا حمراء مطلقة. في مقدورنا أن نحطم القيود السميكة القبيحة الباردة والصدئة التي قيدت عقولنا وأجسادنا طوال حياتنا وكأنها رائحة كريهة طاغية لجثة في زنزانة السجن المثيرة للشعور بالضيق. 

 

زنزانة سجنكم أنتم مختلفة تمامًا. جدرانكم مستترة بشكل جيد حتى لا تستثير رغبتكم في المقاومة. زنزانة سجونكم ليس بها أبواب – قد تتجولون فيها "بحرية"، ولا تعرفون أنها السجن الأكبر الذي ما زلتم محبوسين فيه. 

 

أتمنى لكم أن تصبحوا على مصر حتى تتحرر عقولكم من الاستعمار وعندئذ فقط سترون الحرية الحقة والعدالة الحقة والمساواة الحقة والكرامة الحقة. 

 

أتمنى لكم أن تصبحوا على مصر حتى تمزقوا ورقة الأسئلة ذات الأجوبة المتعددة وتجاوبوا على السؤال "ماذا تريدون؟" لأن كل الأجوبة المتاحة خاطئة بشكل فادح، فيبدو أن الخيار الوحيد المتاح هو ما بين سيئ وأسوأ. 

 

أتمنى لكم أن تصبحوا على مصر حتى تستطيعوا أن تصرخوا مثلكم مثل التونسيين والمصريين والليبيين والبحرينيين واليمنيين وطبعًا كالفلسطينيين. "لا! لا نريد أن نختار الجواب الأقل خطأً. نريد خيارًا مختلفًا تمامًا غير موجود على قائمتكم الملعونة"، وبما أن الخيار المعطى لنا هو ما بين العبودية والموت فإننا نختار - بلا رجعة - الحرية والحياة بكرامة، لا العبودية ولا الموت. 

 

أتمنى لكم أن تصبحوا على مصر حتى تعيدوا بناء مجتمعاتكم جماعيًا ديمقراطيًا وبمسئولية، أن تعيدوا صياغة القواعد لتكون خدمة للناس وليس إنقاذًا لرأس المال المتوحش وذراعه المصرفية، وإنهاء العنصرية وكل أنواع التمييز، والعناية بالبيئة والحياة المتناغمة فيها، وإنهاء الحروب وجرائم الحرب وليس الوظائف والمزايا والخدمات العامة، والاستثمار في التعليم والرعاية الصحية وليس في الوقود العضوي وأبحاث السلاح، وإسقاط الحكم القمعي التسلطي للشركات متعددة الجنسيات، وأن تخرجوا من أفغانستان والعراق وكل مكان آخر تنشر فيها حروبُكم الصليبية المتغطرسة تحت غطاء "نشر الديمقراطية" التفكك الاجتماعي والثقافي والفقر المدقع والبؤس التام. 

 

أتمنى لكم أن تصبحوا على مصر حتى تعيدوا شعلة روح كفاح نضال جنوب إفريقيا لمناهضة الفصل العنصري بإلزام إسرائيل بالقانون الدولي والمبادئ العالمية لحقوق الإنسان بالمقاطعات والتجريد والعقوبات (BDS) التي ينادي بها الأغليبة الساحقة من المجتمع المدني الفلسطيني. ليس هناك طريق أكثر فاعلية وأبعد عن العنف لإنهاء الاحتلال الاسرائيلي والتمييز العنصري والتنكر الذي دام لعقود لحق اللاجئين في العودة المدعوم من الأمم المتحدة. 

 

أتمنى لكم أن تصبحوا على مصر حتى توفي بلادكم بالتزامها القانوني والأخلاقي في مساعدة إعادة بناء الاقتصاديات والمجتمعات التي توقفت تنميتها في مستعمراتكم السابقة - أو الحالية - حتى يستطيع شبابها أن يجدوا أوطانهم قابلة للنمو وللحياة فيها وأن تصبح محبوبة لهم بدلا من أن يغامروا بحياتهم في أعالي البحار للوصول إلى شواطئ سراب متخلين عن أحبائهم والمكان الذي كانوا يطلقون عليه ذات يوم وطنهم. أترون أن سبب وجودهم "هنا" أنكم كنتم هناك، ونحن نعرف ماذا فعلتم هناك! 

 

قمعنا وقمعكم شديدي الاتصال والترابط – اللعبة أبدًا لا تكون محصلتها صفرًا! إن نضالنا المشترك من أجل الحقوق والحريات العالمية ليس مجرد شعار مهدئ لنا نرفعه، إنه بالأحرى كفاح من أجل تحرر حقيقي وتقرير ذاتي، وهي فكرة أزف وقتها أزفًا. 

 

وبعد مصر، يأتي وقتنا. حان وقت الحرية والعدالة للفلسطينيين. حان وقت كل شعوب هذا العالم، بالأخص أكثر من استُغلوا وأنهكوا لاستعادة إنسانيتنا المشتركة والسيطرة على مصيرنا المشترك. 

 

تصبحون على مصر!

 

عمر البرغوثي هو ناشط  فلسطيني  في مجال حقوق الإنسان، أقام في مصر سابقاً  ، وهو كاتب  " المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS)  " : النضال العالمي لأجل حقوق الفلسطينيين  - هايماركت 2011

أقرأ المزيد لـ:  عمر البرغوثي

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم