الخميس، ٠٨ ديسمبر، ٢٠١٦ 

الإقتصاد

 الأزمة المالية القادمة في مصر

محمد السمهوري

لأن التمويل الداخلي لم يَعُد متوافراً بكلفة مقبولة للاقتصاد كما سبق وتمت الإشارة إليه، فإن اللجوء إلى التمويل الخارجي يصبح الخيار الوحيد المتاح على الرغم من الصعوبات المتزايدة في الحصول عليه.

 

أحد أصعب التحدّيات التي سيواجهها الرئيس الجديد في مصر، بصرف النظر عن هويته، هو توفير المال اللازم لتمويل عجز الموازنة الحكومية التي كُشِف عنها مؤخراً للسنة المالية ٢٠١٢-٢٠١٣، والبالغ قيمته ٢٢٫٥ مليار دولار أمريكي. وبالنظر إلى الحالة المزرية للاقتصاد المصري بعد مبارك، والمشاكل المالية الكبيرة التي تعاني منها البلاد منذ ستّة عشر شهراً، ستكون هذه مهمة عسيرة تزيد من حدّتها الشكوك والاضطرابات في المشهد السياسي، التي يُتوقَّع أن تستمرّ حتى بعد تولية الرئيس الجديد.

 

في ١٧ أيار/مايو الماضي، أقرّت الحكومة الانتقالية موازنة ٢٠١٢-٢٠١٣ ورفعتها إلى المجلس الأعلى للقوات المسلّحة للموافقة عليها. وقد أرسلت الحكومة الموازنة الجديدة للبرلمان يوم ٤ حزيران/يونيو، بعد تأخير حوالي شهرين عن تاريخ الأول من نيسان/إبريل التي يحددها القانون المصري. وكما في الماضي القريب، تُخصَّص الموازنة الجديدة معظم النفقات (نحو ٧٨ في المئة) لتمويل ثلاثة بنود أساسية: أجور لموظفي الحكومة الذي يقدر عددهم بنحو ستّة ملايين، وتقديم الدعم المالي للطاقة والمواد الغذائية الأساسية، وتسديد خدمة الديون المحلية والخارجية، التي تتّجه قيمتها سريعاً إلى التساوي مع حجم الاقتصاد المصري. لكن هذه المرّة، سيكون من الصعب إيجاد الموارد المالية اللازمة لسدّ فجوة التمويل في الموازنة الجديدة.

 

القطاع المصرفي المصري يعاني من الضعف بسبب زيادة الاقتراض الحكومي منه بشكل كبير؛ فخمسون في المئة من مجموع ودائع الجهاز المصرفي حالياً مستثمرة في سندات خزينة وسندات حكومية، كما أن ٧٥ في المئة من كل الودائع الجديدة تذهب لتمويل النفقات الحكومية الجارية، ولا يبقى سوى القليل منها لتمويل القطاع الخاص

بدأت المتاعب المالية في مصر ما بعد الثورة، مع الموازنة العامة للسنة المالية الحالية ٢٠١١-٢٠١٢، وهي الموازنة الأولى التي تم العمل بها بعد إطاحة مبارك. فقد قُدِّرَت فجوة التمويل فيها بـ ٢٣ مليار دولار- حوالى ١٠ في المئة من الناتج المحلي الإجمالي المصري- وتمت تغطية الجزء الأكبر من العجز المالي فيها بالإعتماد على مصدرَين أساسيين: اللجوء إلى الإقتراض المحلي وإستخدام احتياطي الدولة من النقد الأجنبي. 

 

لكن أغلب الظن أنه لن يكون بالإمكان التعويل على أي من هذه المصادر لتمويل عجز الموازنة خلال السنة المقبلة. فالإحتياطي الرسمي من العملات الأجنبية قد تراجع بعد الثورة بمعدّل ١٫٤ مليار دولار أمريكي في الشهر، وبات الآن أقل من ٤٠ في المئة من المستوى الذي كان عليه في كانون الثاني/يناير ٢٠١١ – وهكذا، فإن الاحتياطي الذي يبلغ حالياً ١٥٫٢ مليار دولار بالكاد يكفي لتغطية الواردات لمدّة ثلاثة أشهر. من ناحية أخرى، فإن القطاع المصرفي المصري يعاني من الضعف بسبب زيادة الاقتراض الحكومي منه بشكل كبير؛ فخمسون في المئة من مجموع ودائع الجهاز المصرفي حالياً مستثمرة في سندات خزينة وسندات حكومية، كما أن ٧٥ في المئة من كل الودائع الجديدة تذهب لتمويل النفقات الحكومية الجارية، ولا يبقى سوى القليل منها لتمويل القطاع الخاص. وقد أدّى هذا الأمر إلى وصول سعر الفائدة إلى رقم قياسي عند ١٦ في المئة، ناهيك عن انكشاف القطاع المالي أكثر فأكثر أمام الديون السيادية.

 

والأسوأ من ذلك، فقد لجأ البنك المركزي المصري إلى خفض نسبة الاحتياطي القانوني (الإجباري) مرّتين هذه السنة. فقد خفضها في ٢٠ آذار/مارس من ١٤ إلى ١٢ في المئة، ثم في ٢٨ أيار/مايو إلى ١٠ في المئة، بهدف توفير فائض من السيولة للمصارف المحلية كي تقوم بإستخدامها لشراء سندات خزينة. بيد أن هذا الإجراء أدّى إلى انكشاف المصارف أكثر فأكثر أمام الديون الحكومية. كما طرحت الحكومة، لسد حاجتها الماسّة من السيولة النقدية، "سندات المغتربين" في آذار/مارس الماضي في محاولة للإفادة من مدّخرات المغتربين المصريين في منطقة الخليج العربي. ومع أنه لم تُكشَف أي أرقام رسمية، يبدو أن الإيرادات التي تحقّقت من بيع هذه السندات حتى الآن أدنى بكثير من رقم المليارَي دولار الذي توقّعته الحكومة.

 

هناك أيضاً عاملان خارجيان يمكن أن يساهما في تفاقم الأزمة المالية في السنة المقبلة. فالمتاعب المالية المصرية قد تزداد حدّة جرّاء تباطؤ النمو في أوروبا (الذي يُتوقَّع أن يقترب من الصفر في العام ٢٠١٢)، التي تشكّل سوق الصادرات الأساسية بالنسبة إلى مصر (٣٦ في المئة في العام ٢٠١٠) ومصدر الجزء الأكبر من الاستثمارات الخارجية فيها في الأعوام الأخيرة (٦١ في المئة في العام ٢٠١٠). فضلاً عن ذلك، فإن الإقتصاد المصري شديد الحساسية إزاء التقلبات في أسعار الغذاء والوقود العالمية، فمصر تستورد ٦٠ في المئة من المواد الغذائية التي تحتاج إليها، و ٤٠ في المئة من وقودها. ومن شأن الزيادة في الأسعار العالمية لهاتَين السلعتين أن تضع أمام الإدارة المالية مزيداً من التعقيدات.

 

فإن الحاجة تظل ماسة لتأمين السيولة النقدية اللازمة لتمويل العجز في الموازنة العامة الجديدة وذلك كي تتمكّن مصر من تجنّب كارثة اقتصادية قد يتسبّب بها تراجع في قيمة الجنيه المصري يتوقّعه معظم المحلّلين منذ ما يزيد عن ستّة أشهر.

وفيما تصبح مصادر التمويل التي كانت متوافرة خلال السنة المالية الحالية الموشكة على الإنتهاء متعذِّرة أو غير كافية - وعلى إفتراض عدم قيام الحكومة بصكّ أوراق نقدية جديدة أو إجراء تخفيضات في بعض بنود الموازنة تتسم بالحساسية السياسية - يبقى خيار واحد أمام الحكومة لتمويل العجز في السنة المالية المقبلة، ألا وهو الاستدانة الخارجية. ومع أن حجم الدين الخارجي لمصر حالياً عند ٣٣٫٧ مليار دولار، هو مستوى متدنٍّ نسبياً، ولا يزيد عن ١٥ في المئة من المجموع الكلي للدين العام، وحوالي ١٣ في المئة فقط من إجمالي الناتج المحلي، إلا أن الاستدانة من الخارج قد تطرح إشكاليات كثيرة لأسباب عدّة.

 

أوّل هذه الأسباب أن التصنيف الائتماني الدولي لمصر قد تراجع في الآونة الأخيرة نتيجة الاضطرابات السياسية المستمرّة، والعجز المالي المتزايد، وانخفاض احتياطي الدولة من العملات الأجنبية. ففي غضون أربعة أشهر فقط (من تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١١ إلى شباط/فبراير ٢٠١٢)، خفّضت مؤسسة "ستاندرد أند بورز" المالية تصنيف مصر الائتماني للديون السيادية طويلة الأمد بالعملة الأجنبية ثلاث مرّات: من BB إلى BB-، ثم إلى B+، وبعدها إلى B، الأمر الذي يجعل الاقتراض من الأسواق المالية الدولية مستقبلاً أكثر كلفة بكثير. وخير دليل على ذلك ما حدث في وقت سابق هذا العام عندما فشلت المفاوضات بين الهيئة العامة للبترول في مصر ومصرف "مورغان ستانلي" حول قرض بقيمة مليار دولار، بسبب لجوء الأخير إلى التشدّد في شروط الإقراض.

 

كما أن الاستدانة من المنظمات الدولية لن تكون سهلة هي الأخرى. ففي الأشهر الستة الماضية، تفاوضت مصر مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض قدره ٣٫٢ مليار دولار، لكن المفاوضات لم تصل إلى خواتيمها بعد. يرجع ذلك إلى غياب الإجماع السياسي الداخلي حول القرض (وهو أحد الشروط التي حدّدها صندوق النقد الدولي) مما أدّى إلى تأخير الموافقة النهائية عليه. وعلى ما يبدو، فإن السبب الرئيسي لغياب الإجماع السياسي لا يعود إلى خلافات في وجهات النظر محلياً حول طبيعة المعوّقات التي تواجهها مالية الدولة في الوقت الراهن، بقد ما هو رغبة حزب الحرية والعدالة التابع للإخوان المسلمين في عدم قيام الحكومة الانتقالية الحالية مهمة التفاوض للحصول على القرض.

 

حتى مبلغ العشرين مليار دولار الذي تعهّدت به دول مجموعة دول الثماني قبل عام في إطار "شراكة دوفيل" (وهو التعهد الذي قامت المجموعة بالتأكيد عليه مرة أخرى في لقاء قمة منتجع كامب ديفيد الشهر الماضي)، من أجل المساعدة على تحقيق الإصلاحات في بلدان الصحوة العربية (ولاسيما مصر وتونس)، لن يُصرَف على ما يبدو. فقد كان الهدف من هذه المساعدة المالية هو دعم هاتين الدولتين في جهودهما الرامية إلى تحسين الحكم، وزيادة الدمج inclusion الاقتصادي والاجتماعي، وتحديث الاقتصاد، من جملة أمور أخرى. لكن لم يُبذَل مجهود كافٍ لإجراء هذه الإصلاحات في خضم المرحلة الانتقالية الحافلة بالمطبّات في مصر، ولذلك لم تُصرَف أموال الدعم التي تم التعهد بها.

 

الإقتصاد المصري شديد الحساسية إزاء التقلبات في أسعار الغذاء والوقود العالمية، فمصر تستورد ٦٠ في المئة من المواد الغذائية التي تحتاج إليها، و ٤٠ في المئة من وقودها. ومن شأن الزيادة في الأسعار العالمية لهاتَين السلعتين أن تضع أمام الإدارة المالية مزيداً من التعقيدات.

مع كل هذه الصعوبات التي تعترض مصادر التمويل المحلية والخارجية، فإن الحاجة تظل ماسة لتأمين السيولة النقدية اللازمة لتمويل العجز في الموازنة العامة الجديدة وذلك كي تتمكّن مصر من تجنّب كارثة اقتصادية قد يتسبّب بها تراجع في قيمة الجنيه المصري يتوقّعه معظم المحلّلين منذ ما يزيد عن ستّة أشهر. ولأن التمويل الداخلي لم يَعُد متوافراً بكلفة مقبولة للاقتصاد كما سبق وتمت الإشارة إليه، فإن اللجوء إلى التمويل الخارجي يصبح الخيار الوحيد المتاح على الرغم من الصعوبات المتزايدة في الحصول عليه.

 

وحتى يتمكن الرئيس المصري الجديد من النجاح في نزع فتيل القنبلة المالية الموقوتة في مصر، فإن أمامه مهمتان غاية في الصعوبة. إذ يجب عليه، أولاً، أن يقنع ناخبيه في الداخل الذين باتوا ممكَّنين مؤخراً، بالحاجة الملحّة إلى المساعدة الخارجية، بما في ذلك اللجوء إلى الاستدانة التي بدأوا يُظهرون رفضاً لها في الآونة الأخيرة. وثانياً، عليه أن يُقنِع المانحين والمقرضين المحتملين لمصر (في المنطقة العربية وخارجها على السواء) بأن لديه خطة عملية قابلة للتنفيذ لإعادة الاستقرار في بلاده في مجالَين أساسيين: الأمن الداخلي والإصلاحات الاقتصادية. وبالنظر إلى النتيجة المفاجئة وغير المتوقعة للجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، وهويّة المرشّحَين اللذين وصلا إلى الجولة الثانية التي ستُجرى في ١٦ و ١٧ حزيران/يونيو الجاري، قد تكون مهمّة الإقناع هذه أقرب إلى المستحيل. 

 

أخذاً في الإعتبار كل ما سبق، ليس مهماً كثيراً تلك الوعود التي قطعها المرشحون في موسم الحملات الانتخابية الرئاسية والتي تتطلب تحديات كبيرة لتحقيقها؛ فهي وعود باهتة بالمقارنة مع التحدّيات المالية الهائلة والفورية التي سيواجهها رئيس مصر الجديد عندما يتسلّم منصبه في الأول من تموز/يوليو المقبل، فهذا اليوم لن يكون موعد تنصيب الرئيس وحسب، بل أيضاً بداية السنة المالية الجديدة.

 

محمد السمهوري خبير اقتصادي أول في المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية في القاهرة، وزميل كبير ومحاضر سابق في مركز كراون لدراسات الشرق الأوسط التابع لجامعة براندايز في بوسطن. 


محمد السمهوري خبير اقتصادي أول في المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية في القاهرة، وزميل كبير ومحاضر سابق في مركز كراون لدراسات الشرق الأوسط التابع لجامعة براندايز في بوسطن. 

أقرأ المزيد لـ:  محمد السمهوري

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

 

تعليقات القراء
التعليقات التي تظهر هنا والآراء الواردة بها تعبر عن رأى كاتبها الشخصى وهي لا تمثل رأي ميدان مصر

シャネル時計 マドモアゼル 占い

Sep 26 2016 12:05:09:947AM

シャネル時計 マドモアゼル 占い
ブランドスーパーコピー激安通販,日本最高級のブランドコピー時計販売専門店, 提携工場から直仕入れ,最高品質のスーパーコピー商品を低価格で お客様に提供する事が出来ました。 [url=http://www.brandiwc.com/brand-35-copy-0.html]シャネル時計 マドモアゼル 占い[/url]

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم