الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الحياه

اقتراحات لتحسين مستوى التعليم المصري بصورة جذرية

إبراهيم شحاتة

إنني كمواطن مصري لأعتبر أي مزيد من التأخير في محو عار الأمية بمثابة الخيانة لهذا الوطن، كما أنني كمواطن مسلم أعتبر الجهاد في سبيل محو الأمية جهادًا في سبيل الله.

 

واضح أن نظام التعليم في مصر في حاجة إلى إصلاحات جذرية. وأود من جانبي التأكيد على المسائل الآتية التي أرى أنها ضرورية لإصلاح التعليم في مصر: 

 

١-  اتباع خط واضح في التعليم يتم على أساسه اختيار المناهج وطريقة الدراسة، ويقوم هذا الخط على تعويد التلاميذ على التفكير العلمي والبعد عن الخرافات والخزعبلات، وربط النتائج بأسبابها المنطقية، وليس هذا بالمسألة السهلة كما يبدو؛ لأنه طوال أكثر من ربع قرن كانت هناك محاولات شرسة اشتركت فيها الحكومة بباع طويل، كان الهدف الظاهر منها تقوية المواد الدينية واللغة العربية، ولكنها أدت إلى حشو المقررات بكثير من كتابات غير علمية؛ بل وتتنافى مع أي مفهوم تقدمي لتعاليم الدين الإسلامي. وقد نجحت هذه المقررات بالفعل في تخريج جيل من المعلمين اعتبروا واجبهم الأول إغلاق عقول تلاميذهم، مما ترتب عليه غلبة الفكر الارتدادي في جميع مراحل التعليم كما نراه الآن. والغريب أن التركيز على تعليم الدين واللغة العربية لم يؤد إلى ارتفاع المستوى الأخلاقي. بل بالعكس زادت ممارسة الغش في المدارس والنفاق في المجتمع، كأنما أغنى ترديد الشعارات الدينية عن ممارسة الفضائل الدينية، كما تفشَّت حالات التعصب والتطرف على نحوٍ لم يكن معروفا في مصر من قبل، كأنما الدين الذي يدعو إلى الرحمة والتسامح يحض على العكس من ذلك!

ولا أطالب هنا بالإنقاص من دروس اللغة العربية أو بحرمان التلاميذ من تعلم شعائر الدين وقيمه العليا وأحكامه؛ ولكني أطالب بمراجعة الحشو الكثير في المناهج واختيار القراءات التي تتمشى مع حقائق العصر وتحضّ على التفكير والتدبر وتعطي للإسلام وجهه التقدمي المشرق. هناك من الأدب الديني الكثير الذي كتبه المصلحون في الماضي ويكتبونه الآن وهو ما ينبغي أن يقرأه التلاميذ، وقد قامت بعض الدول الإسلامية التي تتقدم بسرعة مثل ماليزيا وتونس بمحاولات ناجحة في هذا الشأن، وليس من العيب أن نستفيد منها. 

 

٢- التأكيد في مناهج التعليم على أن الحقيقة في غير الله ليست مطلقة، وأن من الطبيعي أن تختلف آراء الناس حسب اختلاف مداركهم ومصالحهم، وأن من الضروري لذلك أن يتسامح الناس عند اختلافهم، وأن يتوسطوا في مواقفهم حتى يتمكن المجتمع من الاستمرار والتقدم عن طريق الحوار وليس الصراع الدموي، وهذه مسألة تبدو أيضا طبيعية ومفهومة؛ ولكنها للأسف لم تعد طبيعية أو مفهومة في المجتمع المصري بسبب ما تفشى في التعليم من افتراضات تقوم على نفي الرأي الآخر والتسليم بما يقوله أشخاص أحياء أو أموات أضفَت على أقوالهم الكتب المدرسية ووسائل الإعلام تقديسًا لا مبرر له. وسوف يساعد على تغيير هذه المفاهيم تشجيع المناقشات الحرة في المدارس وتوجيه المدرسين إلى إقامة الندوات والمناظرات التي تُعرض فيها وجهات النظر المختلفة حول القضايا الاجتماعية والمسائل العلمية حتى يقرَّ في الأذهان نمط التفكير الحر، وينشأ جيل جديد يختلف عن الجيل الذي أفسدت وسائل الإعلام والتعليم الماضية طريقته في التفكير، وحرمته أن يرى ما رآه أئمة الإسلام الكبار منذ زمن بعيد من أن الرأي المعارض يحتمل الصواب، وأن في اختلاف الآراء رحمة بالناس. 

 

٣-  ترسيخ قيم وسلوكيات معينة لدى التلاميذ بتعويدهم على العمل معا بروح الفريق، وعلى النظام، والالتزام بالمواعيد، والوفاء بالعهود، وبأن النظافة قيمة عليا يجب المحافظة عليها في جميع الظروف، وكذلك احترام القواعد والملكية العامة والخاصة والعقود. إن هذه القيم ليست فقط جزءًا لا يتجزأ من تعاليم الدين الإسلامي والدين المسيحي، وإنما هي أيضًا جزء من النسيج الاجتماعي لأي أمة متقدمة أو تسعى بنجاح نحو النمو. ونحن مازلنا للأسف - رغم تشدقنا بالشعارات الدينية - نفتقد هذه القيم في كثير من سلوكيات الأفراد والجماعات. وبالطبع فإن المدرسة عنصر من عناصر تكوين القيم السليمة في المجتمع وتشجيعها، ولا تستطيع وحدها أن تنجح في تكوين الشخصية أو تقويم السلوك؛ ولكن دور المدرسة في هذا الشأن كبير؛ ولأن فاقد الشيء لا يعطيه، فإن الاهتمام بهذه القيم والتأكد من توافرها ينبغي أن يبدأ بالمدرسين والأساتذة، فهم القدوة في مدارسهم وكلياتهم، وإذا لم يحترموا هذه القيم في سلوكهم فإنه لا يُنتظر منهم أن ينجحوا في نقلها إلى طلابهم؛ وعلى ذلك فإن نظام الحوافز المعمول به (الترقيات وما إليها) يجب أن يأخذ هذا الجانب في الاعتبار بالنسبة لهيئات التدريس. ويُعتبر إعداد المعلِّم السليم أول وأهم خطوة في إصلاح التعليم، وخاصة المعلِّم في مرحلة التعليم الأساسي.

 

٤- ضرورة اتباع الاتجاهات السابقة في أجهزة الإعلام، التي كثيرًا ما يفوق تأثيرها تأثير المدارس، والتي يصل تأثيرها أيضا إلى المجتمع كله وليس فقط إلى تلاميذ المدارس. وقد لاحظت أنه في الوقت الذي تحارب فيه الدولة عناصر الإرهاب الخطرة، فإن كثيرًا مما تبثه وسائل الإعلام التابعة للدولة يساعد على خلق البيئة التي يترعرع فيها الإرهاب، أي بيئة الرأي الواحد والوجه الواحد للحقيقة.

 

لا أطالب هنا بالإنقاص من دروس اللغة العربية أو بحرمان التلاميذ من تعلم شعائر الدين وقيمه العليا وأحكامه؛ ولكني أطالب بمراجعة الحشو الكثير في المناهج واختيار القراءات التي تتمشى مع حقائق العصر

٥- إن مجال التعليم هو أول المجالات لاتخاذ القرارات على أسس علمية، ولهذا فإن القرارات المتعلقة باستخدام الموارد المالية المخصصة للتعليم يجب أن تحقق أعلى عائد اجتماعي ممكن، ويتم ذلك باحتساب تكاليف كل مرحلة من مراحل التعليم وكل نوع من أنواعه وتخصصاته، ومقارنتها بالفوائد التي يجنيها الفرد والمجتمع من وراء ذلك. وإذا كانت الدراسات في كل الدول قد أثبتت أن التعليم الأساسي (الابتدائي والإعدادي) يحقق أعلى عائد اقتصادي، سواء في العائد الشخصي أو العائد الاجتماعي، فإن ذلك يؤكد ضرورة توفيره بالمجان لجميع الأطفال ذكورا وإناثا، قبل التوسع في إنفاق أي مصروفات عامة على مراحل وأنواع التعليم الأخرى، وقد يكون للتعليم قبل الابتدائي أهمية كبيرة كذلك خاصة في المناطق الريفية والأحياء الفقيرة بالمدن.

 

٦-  التعليم الأساسي الذي يتاح للجميع ينبغي توفيره على أعلى مستوى ممكن، أي بمدارس اليوم الكامل لفترة زمنية كافية وبوسائل تجمع بين المادة العلمية والأنشطة الطلابية، مع التأكيد على تمكين أفقر الأطفال من الحصول عليه. وقد لجأت بعض الدول إلى تقديم منح لأشد الأسر فقرًا حتى تغطي التكاليف الإضافية اللازمة لمواصلة أطفالهم للتعليم الأساسي أو لتغنيهم عن تشغيل الأطفال بدلاً من تعليمهم، وقامت دول أخرى بتوزيع درَّاجات مجانا على الأطفال الذين يسكنون بعيدا عن مدارسهم، وبتوفير وجبات غذائية بالمدارس، ولم تكن هذه الدول بالضرورة دولاً ثرية؛ ولكنها رأت بحق أن تقدم كل الوسائل لتوفير تعليم أساسي مفيد لجميع الأطفال، بدلا من إتاحة التعليم الجامعي بالمجان لأبناء الأسر الميسورة الحال. إن من الخطأ الجسيم أن تتحيز الدولة، بقصد أو بغير قصد، ضد الأطفال الفقراء، وضد البنات، وضد سكان المناطق الريفية النائية؛ بل إن كان هناك مجال للتحيز فإنه ينبغي أن يكون لصالح هؤلاء جميعا، ليس فقط لتحقيق العدالة الاجتماعية، ولكن أيضا لتحقيق العائد الاقتصادي الإنمائي.

 

٧-  ضرورة توحيد المنهج العام للتعليم الأساسي سواء في المدارس العامة أو الخاصة، المدنية أو الدينية، لتفادي الازدواجية في التعليم في هذه المرحلة الحرجة، ولا بأس بعد ذلك من أن تضيف المدارس الخاصة والدينية برامج إضافية إلى ذلك، فالتعليم لا بد أن يلعب دوره الاجتماعي في المحافظة على التماسك الاجتماعي؛ أي على وحدة نسيج المجتمع واستمرار روح التضامن والإخاء بين أبنائه، وهذه صفات تمتع بها المجتمع المصري منذ آلاف السنين. لذلك يجب أن يمر جميع التلاميذ  في هذه السن المبكرة بمقررات أساسية واحدة تدعم انتماءهم الموحد لمصر، وتكوين هويتهم كمواطنين مصريين، رغم أي خلاف آخر. وكما قلت، فليس هناك ما يمنع هذه المعاهد والمدارس من أن تضيف جرعات من التعليم الديني أو الأجنبي؛ ولكن ليس على حساب المنهج العام الموحد الذي يسهم في صنع الشخصية المصرية ويؤكد على المزيد من التماسك في نسيج المجتمع المصري.

 

٨-  يترتب على إعطاء الأولوية للتعليم الأساسي زيادة الإنفاق المخصص له زيادة كبيرة ليس فقط للتوسع في المباني التعليمية، وإنما أيضا لتغيير المناهج، وطبع الكتب، وتوفير المكتبات، وأهم من ذلك كله إعداد المعلمين. وقد لاحظت دراسة لأوضاع هذا التعليم في مصر أنه في عام ١٩٨٩ كان ٤٢٪ فقط من المدرسين في التعليم الابتدائي قد حصلوا على تدريب في معاهد تدريب المعلمين، ولاحظت دراسة لاحقة أنه في العام الدراسي ١٩٩٠/١٩٩١ كان ٥٧٪ من المدرسين لا تتعدى مؤهلاتهم مستوى الثانوية العامة! وينعكس هذا طبعا على مستوى التعليم الذي يقدمونه. لذلك يجب إعطاء أولوية لتدريب المعلمين وتوفير سبل المعيشة الكريمة لهم.

 

٩- سوف يقضي التحسن الكبير في الالتحاق بالتعليم الأساسي وتوفيره على مستوى جيد لجميع الأطفال في جميع المحافظات على أمية الأطفال، ولكن هذا لن يعالج أمية البالغين التي يحتاج علاجها إلى برنامج قومي لمحو الأمية خلال خمس سنوات. فإنه لا يجوز التهاون أكثر من ذلك في هذه المسألة؛ بل لابد أن تعطى لها أهمية كبيرة وتخصص لها ميزانية خاصة، حتى ولو اقتضى الأمر تمويلها بضريبة إضافية أو بسندات تصدرها الحكومة. وإنني كمواطن مصري لأعتبر أي مزيد من التأخير في محو عار الأمية بمثابة الخيانة لهذا الوطن، كما أنني كمواطن مسلم أعتبر الجهاد في سبيل محو الأمية جهادًا في سبيل الله.

 

١٠-  بعد التأكد من توافر وسائل محو أمية الصغار والكبار وتوفير التعليم الأساسي لهم على مستوى جيد، يُوجَّه باقي الموارد المخصصة للتعليم إلى التعليم المتوسط والعالي لرفع المستوى وتوفير المنح والقروض الميسَّرة لغير القادرين، مع التأكيد على توجيه نسبة كبيرة للتعليم الفني والتدريب الفني. ويثير هذا الأمر مسألتين تحتاجان إلى مناقشة مفصلة: الأولى بشأن إصلاح التعليم الفني، والثانية بشأن إصلاح التعليم الجامعي، وسيتم تناولهما في مقال لاحق.

المفكر الراحل د.إبراهيم شحاتة كان نائبًا لرئيس البنك الدولي ومستشاره القانوني (١٩٨٩- ١٩٩٩)

أقرأ المزيد لـ:  إبراهيم شحاتة

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم