الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الحياه

استعراض كتاب: حياة هدى شعراوي، أول ناشطة نسائية مصرية (١٨٧٩ - ١٩٤٧)

سهير قنصوه

تأليف: سنية شعراوي لانفرانشي

الصادر باللغة الانجليزية عن دار النشر: I.B. Tauris، لندن، نيويورك

 

عرض كتاب بقلم سهير قنصوه

 

إن سيرة الأشخاص الذين لهم بصمة في حياة الآخرين ليست ملكاً لهم، بل هي ملك للبشرية كي تتعلم منها. وأول ما يتعلمه المرء من البحث في الحياة الذاتية لهؤلاء الأشخاص هو إنه ليست بإمكانيتهم من عدمها؛ ولا الاستقرار الذي  قد ينعموا به ولا المصاعب التي قد يعيشوها؛ ولا كونهم أغنياء ولا فقراء هو ما يجعلهم متميزين، لأن ما يدفعهم إلى الدوام والمصابرة حتى الوصول إلى غايتهم  ينبع من الشغف الذي يتوهج بداخلهم، ومن عزيمتهم التي تمكنهم من تخطي كل العقبات التي تصادفهم إلى أن يبلغوا مرادهم.

 

والطريق إلى الغاية مصحوب بأوقات نجاح وأخرى فشل، وقد يصاب الشخص بالعجز أو المرض أو قد يتوفى في أي لحظة نجاح أو لحظة فشل. ولا يعني هذا أن قضيتهم قد حُسمت بالنجاح أو الفشل. ففي كلتا الحالتين، يتحتم على أخرين اتباع المشوار الذي سلكه من سبقهم من هؤلاء المتميزون حتى إدراك النجاح واستدامته.

 

 

وعندما  توفت هدى شعراوي، كانت تعيش خيبة أمل عظيمة بعدما وصلت إلى ذروة النجاح على عدة جبهات. ففيما يتعلق بتقدم المرأة، ظل أثر إنجازاتها مستمراً عبر الأجيال. وقد نجحت أيضاً فيما قدمته من مساهمات في قضايا قومية قد ساعدت فى تحديث مصر، وقد رفعت إنجازاتها مكانة المرأة كمواطنة كاملة وليست حبيسة حياة الحريم كما كان الحال عليه. ومع هذا كله فإن المرأة تتعرض الآن في مصر لموجات متصاعدة من التعصب ضدها، وذلك ما يحدث في أماكن أخرى من العالم يسودها الشوفينية.

 

 

وحينما دنا الموت من هدى شعراوي، كان النزاع الفلسطيني- الإسرائيلي قد بدأ في التصاعد على الساحة العالمية. ولم تلقَ دعواتها للوصول إلى حل إنساني وتحقيق العدالة للشعب الفلسطيني، الذي طُرد من أرض أجداده وهُجر منها بلا رحمة، آذاناً صاغية. وقد رحلت عن هذه الدنيا وهي تشعر بصدمة عظيمة عندما أدركت أن المجتمع الدولي والعالم المتحضر اللذين كانت تُكن لهما التقدير بوصفهما مناصرين لحقوق الإنسان، لم يحترما التزاماتهما بالقيم العالمية عندما دُعيا إلى اتخاذ موقف حيال ما يحدث، وانحازا بدلاً من ذلك إلى جانب المعتدي.

 

ومع ذلك، فبقراءة كتاب «نزع النقاب» والتأمل في حياة هدى شعراوي يتعلم المرء ألا يستسلم إلى وضع غير مرضي، فقد علمنا التاريخ أيضاً، أن التغيير يقوم على المقاومة.

 

وعلى مر السنين، حظيت سيرة هدى شعراوي بوصفها أيقونة ورائدة للحركة النسائية باهتمام اعلامي كبير، ولكن هذا الكتاب يعتبر المرة الأولى التي تأخذ فيها إحدى أفراد أسرتها وهي حفيدتها، على عاتقها مهمة البحث المتئني في المستندات، والمذكرات، والرسائل، والحكايات، والذكريات، والنوادر الباقية في أذهان أقربائها، وأصدقائها، ومعاصريها. بل ووصل الأمر بالحفيدة وهي سنية (نيني) شعراوي لانفرانشي أن تعقبت خطى هدى شعراوي في البلدان التي زارتها لتبحث في مواثيق هذه البلدان وتقدم إلى الجمهور العريض في مصر وخارجها صورة واضحة لشخصية هدى شعراوي وإنجازاتها، وكيف أنها كان لديها من الدافع والمصابرة اللاتي مكّناها من تحدي التقاليد السائدة في ذلك الوقت.


وقد كانت هدى شعراوي تنتمي إلى الطبقة الراقية ومن الأثرياء، وقد ربتها والدتها بمساعدة مربيات أجنبيات كما كان متعارفاً عليه بين صفوة المجتمع في ذلك الوقت. وكان من الممكن أن تكون هدى طفلة مدللة لولا قوة شخصيتها، وعزيمتها، وكرمها، ونزاهتها التي تتميز بها النخبة. وبدافع من شغفها الداخلي، حاربت هدى شعراوي من أجل المرأة وكرامة الشعب المصري، وانحازت إلى صف المضطهدين والمشردين، ومثلت مصر في الخارج بصورة تبعث على الفخر، مما جعل التاريخ يكرم اسمها.

 

أما على صعيد حياتها الأسرية، فمثل ما هو الحال بالنسبة إلى الأمهات العاملات، لقد دفعت هدى شعراوي ثمن اهتمامها بالقضايا العامة. فلقد لاماها إبنتها باسنة وإبنها محمد اللذين كانا يتمنيان أن تكون الأم لهم فقط. وكما هو الحال دائماً، فإن أبناء الأسر التي يشغل أمهاتهم أو آبائهم الشأن العام هم من يدفعون ثمن غياب أحد والديهما أو كليهما عن المنزل . وعلى الرغم من أن أبناء هدى شعراوي لم يستوعبا دائماً تعطشها إلى الخدمة العامة، فإن حفيدتها  -بهذا الكتاب - قد قدمت لها اعترافا وتقديرا علنيا بعد مرور أكثر من ستين عاماً على رحيل الجدة أن التضحيات التي تحملتها العائلة لم تذهب هباء. ومن خلال تقديم حياة هدى شعراوي بعمق، وصدق، وشمولية، لم تأخذنا الكاتبة في رحلة إلى الماضي فحسب، بل أخذتنا أيـضاً في رحلة داخل عقل، وقلب، وروح إحدى أعظم السيدات على مر العصور.

 

سهير قنصوه مستشارة في التخطيط الإنمائي ومسئولة سابقة ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي 

أقرأ المزيد لـ:  سهير قنصوه

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم