الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الإقتصاد

فليحيا الركود! هل تعتبر الإقتصاديات الرديئة مناخ جيد للديمقراطية؟

تشارلز كيني

مع إستمرار المظاهرات المطالبة بالديمقراطية في الشرق الأوسط، ليست فقط الأنظمة التي تتهاوى، لكن هناك أيضا أحد مبادئ نظرية التحديث قد بدأ يهتز و هو الخاص بأن التنمية الديمقراطية ناتجة من النمو الإقتصادي. فلم يكن النمو الإقتصادي هو ما دفع بالتونسيين والمصريين و الآن بالليبيين واليمنيين إلى الشوارع.  فما تشترك فيه هذه البلاد، خلاف نظم الحكم الإستبدادية، هو عكس شعار نظرية التحديث تماماً حيث يتشاركون فى أداء اقتصادي عقيم خلال الفترة الأخيرة. ‎


منذ حوالى نصف قرن، على الأقل من خلال أعمال عالم الإجتماع مارتن سيمور ليبست، و ربما منذ عهد كارل ماركس –  آمن علماء السياسة في كل مكان بفكرة أن الثروة هي عماد الديمقراطية. ومؤخراً، تخطى أستاذ الإقتصاد في جامعة هارفارد بنيامين فريدمان تلك الفكرة في كتابه «التبعات الأخلاقية للنمو الإقتصادي» بإقتراحه أن زيادة الدخل بشكل مستمر هو عامل رئيسي للحفاظ على ديمقراطية شاملة.


ولكن هل صحيح أن الدول التي تزداد ثروتها، تصبح أكثر ديمقراطية؟ فمن المؤكد أن معدلات النمو الإقتصادي الإستثنائية لم تكن وراء اندلاع الحماس المذهل لنيل الحقوق السياسية الذي حدث مؤخراً في الدول النامية بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا . فقد ارتفع متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلى الإجمالي بما يتجاوز ,١ % سنوياً على مدار الثلاثين عام الماضية (رغم أن معدل الزيادة كان أعلى خلال العقد الماضي). وبدلاً من خلق طبقة وسطى كبيرة مستقلة من أصحاب الأعمال ، شهدت المنطقة نمو ملحوظ للقطاع الخاص من خلال توفير فرص عمل مقتصرة على نخبة متميزة من الأكبر سناً . و طبقاً للبنك الدولي، فإن عدد الشركات المسجلة بالنسبة لكل ١٠٠٠شخص في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أقل من مثيلاتها في جنوب الصحراء الكبرى الافريقية. ففي منطقة الشرق الأوسط، على الشخص أن يعمل ١٤ سنة في المتوسط قبل أن ينال منصب إداري، أما في منطقة شرق أسيا، عليه أن يعمل نصف تلك المدة.


و التفسير الأكثر عقلانية الذي يربط الأداء الإقتصادي بالتغييرات السياسية هو الآتي: لقد قدمت الحكومات وعوداً كبيره للشباب في تلك المناطق و فشلت في الوفاء بها . فقد قفز معدل الالتحاق بالجامعة في مصر من ١٤% إلى ٢٨% منذ عام ١٩٩٠ ومن ٨ % إلى ٣٤% في تونس. يبلغ عدد الطلاب بجامعة القاهرة وحدها حوالى٢٠٠٠٠٠ طالب. و بينما تزايدت فرص التعليم، إلا أنه في المقابل أدى الأداء الإقتصادي الضعيف الي عدم نمو فرص العمل بنفس النسبة. ‎


تعتبر نسبة البطالة بين الأعمار السنية البالغة من ١٥ إلى ٢٤ سنة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أعلى من أى منطقة على مستوى العالم حيث تتجاوز نسبة الـ ٢٥% (والنسبة أعلى في كل من مصر وتونس). ومع إرتفاع أسعار الغذاء، سوف يتزايد عدم الرضا بمحدودية فرص العمل، و قد كانت مساهمة الأداء الإقتصادي في تشجيع الأحداث الأخيرة ناتجة عن تقويته للإحساس بالظلم و ليست ناتجة عن خلق طبقة برجوازية مغرمة بدوتوكفيل.


والعالم العربي ليس هو العنصر المختلف معزولا، فبينما تعتمد معظم البلاد الغنية على نظم تسود فيها الديمقراطية أكثر من مثيلاتها في البلاد الفقيرة، إلا إنه لا يبدو أن إزدياد الثروة يؤدي إلى ديمقراطية أو أكثر استقراراً. ‎


فقد أثبت عالم الإقتصاد بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا دارون اكيم أوغلو وزملاؤه في دراسة فى عام ٢٠٠٩ ، أن هذا الارتباط القوي بين الدخل ومقاييس الديمقراطية في جميع أنحاء العالم في أي لحظة زمنية يتلاشي عند الأخذ في الإعتبار كل من التغييرات في الدخل والحقوق على مر الزمن. وانتهى الباحثون إلى أن «المستويات المرتفعة من نصيب الفرد من الدخل لا تحفز التحول إلى نظام ديمقراطي من نظام غير ديمقراطي ، وبالمثل فهي لا تمنع التحول إلى نظام غير ديمقراطي في نظام ديمقراطي» .‎


في الواقع، إذا كانت الأدلة التي ظهرت في القرن الماضي توحي بشئ، فإنها لا تشير إلا إلي أن البلاد التي شهدت إنخفاض في الدخول تتجه إلى الديمقراطية بشكل أسرع نسبياً من البلاد التي شهدت إرتفاع في الدخول.في الواقع، إذا كانت الأدلة التي ظهرت في القرن الماضي توحي بشئ، فإنها لا تشير إلا إلي أن البلاد التي شهدت إنخفاض في الدخول تتجه إلى الديمقراطية بشكل أسرع نسبياً من البلاد التي شهدت ارتفاع في الدخول. فلم تنهار الكتلة الشيوعية في الخمسينات عندما كان النمو متسارع بينما انهارت في الثمانينات عندما تباطأ النمو. ورغم أن النمو في الهند كان أبطأ وجاء متأخراً عن الصين، إلا أن الهند كانت الأسبق إلى الديمقراطية و ما زالت أكثر ديمقراطيه حتى اليوم.(في الواقع، إن السبب في أول عصيان مدني قاده غاندي كان عدم قدرة الهنود على تحمل نفقات شراء الملح). و قد اتجهت الدول الأفريقية حديثة الإستقلال إلى النظام الإستبدادي في الستينات والسبعينات، حيث شهدت هذه الفترة نجاحا نسبيا في الأداء الاقتصادي، ولكنها اتجهت نحو الديمقراطية في الثمانينات والتسعينات، عندما كان النمو بطيئاً بشكل ملحوظ. ‎

 
إن القول بأن الركود يعجل من عملية سقوط الأنظمة المكروهة لا يعنى بالضرورة أنه متطلب أساسي لسقوطها. ففي الواقع، ما زال الإرتباط بين الصدمات الإقتصادية وعدم الإستقرار السياسي محل جدال. وقد لعبت ظروف أخرى مثل، التحضر والتحسن العظيم في وسائل الاتصال – من القمر الصناعي إلى الفيس بوك والتويتر- دور لا يقل أهمية عن إرادة الشعب في مصر وتونس وأماكن أخرى في مواجهة العنف من أجل الإصلاح الديمقراطي.‎


وفي هذا الصدد، تمثل إنتفاضات العالم العربي تعبيراً عن الشكل الجديد للديمقراطية أكثر من كونها ناتجة عن الثورة. في هذه الأيام، إذا كنت تنوي التظاهر (ولست في قبضة نظام أوتوقراطي)، فإنك تتظاهر من أجل تغيير ديمقراطي. حمدا لله أن الإشتباكات التي حدثت بين الفاشيين والشيوعيين عند إختيارهم أي نظام شمولي يطبق بدلاً من النظام القائم كما حدث في ألمانيا قبل الحرب، أصبحت جزءاً من الماضي. وتتراوح نسبة من يؤيدون مقولة أن « الديمقراطية بها بعض الشوائب، ولكنها أفضل نظم الحكم» في مسح القيم العالمية “World Value Survey” من ٨١% في الاتحاد السوفييتي السابق إلى ٨٨% في الشرق الأوسط و ٩٢% في الغرب. فليس من الضروري أن يمهد النمو الاقتصادي الطريق إلى التحول الديمقراطي، لكن غالبا ما يكون لدى المحرضون على الديمقراطية رغبة في تشجيع النمو الاقتصادي. وتؤيد المظاهرات التي حدثت في البلاد العربية ذلك عندما أشعل رجل عمره ٢٦ عاماً يسمى محمد بو عزيزي النار في نفسه أمام مبنى حكومي تونسي في شهر ديسمبر، فإنه لم يكن يتظاهر من أجل الديمقراطية، بل كان يتظاهر بسبب سوء معاملته من جانب المسئولين المحليين والشرطة، التي كانت تمنعه من إدارة كشك فاكهة. فقد أشعل هذا الحدث المظاهرات التي أسقطت زين العابدين بن علي، ثم انتشرت في كل المنطقة. ولو كان في مقدور العالم العربي الديمقراطي أن يوفر للشباب المتعلم بشكل جيد ونشط فرص أكثر في جو من التنافس الشريف على الوظائف، فسوف يخلق ذلك مخرجاً من الركود ويقلب نظرية التحديث رأساً على عقب، وهذا في النهاية قد يحل شكوى الرجل الذي بدأ كل تلك الاحداث.


أعيد نشره بتصريح من 

Foreign Policy www.foreignpolicy.com © The Washington Post

 

 

 تشارلز كيني هو زميل  في مركز التنمية العالمية، وزميل شوارتز بمؤسسة أمريكا الجديدة

أقرأ المزيد لـ:  تشارلز كيني

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم