الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

السياسه

دليل متاهة العدالة المصرية

ناثان براون

فقد صمدت العملية الانتقالية في مصر، لا بل هي تعزّزت أحياناً، بسبب سلسلة من التطورات القانونية والقضائية المدهشة. بيد أن الارتباك لايزال هو سيّد الموقف وربّما يكون هناك المزيد من المفاجآت بانتظارنا.

 

التقاليد القانونية والقضائية في مصر عميقة ومعقّدة، بحيث يبدو أحياناً أن فهم هيكلها الحالي يتطلّب وجود عالم آثار بقدر ما يتطلّب وجود محامٍ. بعض الخصائص الظاهرية تنبثق من أصول النظام القانون المدني المصري. 

 

خلافاً للولايات المتحدة، ولكن على غرار القارة الأوروبية، قسّمت مصر الولاية القضائية بين مجموعات مختلفة من المحاكم، لكل واحدة منها إجراءاتها وموظفوها ومجموعة هيئات الاستئناف الخاصة بها. وهكذا، على سبيل المثال، تنظر محكمة دستورية متخصّصة عموماً في القضايا الدستورية.

 

 

الإعلان الدستوري يتطلّب أن ينتخب "أول برلمان" الجمعية. وإذا تم حلّ تلك الهيئة قبل أن تعمل، فسيتم إقحام العملية الدستورية برمّتها في حيرة وارتباك أعمق

ولكن حتى المحامي الذي تدرّب في فرنسا سيجد عناصر مربكة وجديدة في الهياكل والتقاليد في مصر لأن النظام تطوّر بطرق مختلفة على مدى القرن ونصف القرن الماضي. ولأن مجموعة المحاكم المصرية لديها، على الأرجح، الكثير مما تقوله عن قضايا المرحلة الانتقالية، ولأن مختلف الهيئات القضائية تطوّرت في بيئة محلّية تبقيها مع أقسى النظائر في النظم الأخرى، في أفضل الأحوال، فإن تقديم دليل مختصر لطاقم الشخصيات القضائية يبدو مفيداً.

 

 

 

١. المحاكم العادية / محكمة النقض

 

 

هناك ثلاثة مستويات رئيسة للمحاكم المصرية التي لها ولاية قضائية عامة، وهي تغطّي الغالبيّة العظمى من القضايا الجنائية والمدنية، وقضايا الأحوال الشخصية. محكمة الاستئناف العليا المتخصّصة بهذه القضايا تعرف باسم محكمة النقض، ولها ولاية قضائية للنظر في المنازعات الانتخابية البرلمانية منها، وليس الرئاسية.

 

 

٢. مجلس القضاء الأعلى

 

 

مجلس القضاء الأعلى يتعامل مع الشؤون الإدارية والتعيينات القضائية والترقيات في المحاكم العادية (المتعلقة بالولاية القضائية العامة المذكورة أعلاه). عضويته منصوص عليها في القانون، ويرأسه رئيس محكمة النقض، ما يجعله واحداً من كبار قضاة مصر. ولعلّ ما يثير الإرباك والتشويش أن هناك أيضاً هيكلاً يحمل الاسم نفسه، ولكنه مختلف ويسمى المجلس الأعلى للهيئات القضائية، يجمع مختلف الهيئات القضائية في مصر، لكنه أصبح مؤسسة ضعيفة تنسّق القضايا من دون أن تكون له سلطة فعليّة.

 

 

٣. المحاكم العسكرية

 

 

تعتبر المحاكم العسكرية هيئات دائمة لديها ولاية قضائية على القضايا العسكرية. إنها ليست جزءاً من نظام المحاكم العادية، وبالتالي لاتخضع إلى محكمة النقض أو مجلس القضاء الأعلى. وأثناء حالة الطوارئ، لهذه المحاكم ولاية قضائية أيضاً على أي قضية أو فئة من الجرائم التي يحيلها إليها الرئيس.

 

 

لأنه يعيّن من السلطة التنفيذية، غالباً ما يكون هذا المسؤول همزة الوصل الرئيسة بين الحكومة وبين السلطة القضائية

انتهت آخر حالة طوارئ – كانت سارية المفعول مع فترات انقطاع قصيرة فقط منذ العام ١٩٣٩ - في ٣١ أيار/مايو، ومن غير المرجّح أن يجدّد البرلمان العمل بها. ولكن هذا لايعني أنه سيتم استثناء المدنيين من هذه المحاكم. إذ كان الجيش يحيل المتظاهرين إلى محاكمه خارج الإطار القانوني لحالة الطوارئ تماماً، وإذا ما واصلت قوات الجيش لعب دور على صعيد الأمن الداخلي، كما فعلت منذ أيام الثورة، فقد يستمرّ في ذلك.

 

 

من الممكن تماماً أن يمنع دستور مصر الدائم - عندما تتم كتابته في نهاية المطاف - عادة محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية، ذلك أن لهذه القضية صدىً خاصاً لدى الثوار، والكثير من الفقهاء، وجماعة الإخوان المسلمين، التي يعدّ حزبها الأكبر في البرلمان. لكن في غضون ذلك، أقرّ البرلمان المصري قانوناً يمنح المحاكم العسكرية الحقّ في تقرير ما إذا كانت لها ولاية قضائية على قضايا بعينها. 

 

 

٤.مجلس الدولة

 

 

مجلس الدولة هو هيئة قضائية تعطي المشورة القانونية للحكومة، وتعدّ القوانين، وتمارس الولاية القضائية على القضايا الإدارية. ضمن هذا الاعتبار الأخير، يضمّ المجلس مجموعة من المحاكم الإدارية التي تفصل في المنازعات التي تكون إحدى هيئات الدولة طرفاً فيها. ويتمتّع المجلس بسمعة متزايدة من الجرأة والاستقلال في أحكامه. كل محافظة لديها محكمة إدارية ذات مستوى أدنى، وهناك محكمة إدارية عليا في القاهرة. وهناك أيضاً هيئة المفوّضين التي تساعد في إعداد القضايا وتصوغ مسوّدات الآراء للمحكمة.

 

 

يبدأ العديد من القضايا البارزة سياسياً في مجلس الدولة لأنها تنطوي على مطالبة قانونية ضد مسؤول أو هيئة كبيرة، مثل رئيس الوزراء أو الرئيس أو المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

 

 

٥. المحكمة الدستورية العليا

 

 

تفصل المحكمة الدستورية العليا في القضايا - تحيلها إليها محكمة أخرى في العادة - التي يتم فيها الطعن بدستورية قانون أو لائحة. وهي هيئة قضائية مستقلّة لديها، على غرار مجلس الدولة، هيئة مفوّضين تعدّ القضايا للمجموعة الرئيسة من القضاة.

 

 

 الرئيس الحالي للمحكمة الدستورية العليا، فاروق سلطان، الذي من المقرّر أن يتقاعد هذا الصيف، عيّنه الرئيس حسني مبارك. وبما أن حياة سلطان المهنية امتدّت عبر الهيئات القضائية العسكرية والأمنية، فإن القوى الثورية والإخوان لايثقون به أبداً. وبموجب قانون صدر بمرسوم عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة الصيف الماضي، فقد عيّنت المحكمة الدستورية العليا رئيسها المقبل فقط، واختارته من بين أكبر ثلاثة أعضاء سنّاً فيها.

 

 

٦. محاكم أمن الدولة

 

 

حتى العام ٢٠٠٣، كان في مصر هيئتان مختلفتان تعرفان باسم محاكم أمن الدولة. كانت إحداهما جزءاً من القضاء العادي، وكانت مسؤولة عن القضايا الجنائيّة التي تُصنَّف على أن لها علاقة بأمن الدولة. عموماً، يمكن اعتبار أنها قضايا نظام عام في النظم الأخرى. ألغيت مجموعة من المحاكم في العام ٢٠٠٣، ما أدّى بالعديد من المراقبين إلى استنتاج مخطئ مفاده أنه تم إلغاء محاكم أمن الدولة. 

 

 

بيد أن مجموعة ثانية من المحاكم، التي شكّلتها حالة الطوارئ وتتعامل مع الحالات الناجمة عن حالة الطوارئ غير واضحة المعالم والرّمادية، لاتزال موجودة. وبما أن حالات الاستئناف في محاكم أمن الدولة - قسم الطوارئ محدودة، فإن الضمانات الإجرائية أقلّ، والأبعاد السياسية للقضايا أكثر وضوحاً، ولهذه المحاكم سمعة مخيفة أكثر من مجموعة محاكم أمن الدولة العادية التي أصبحت بحكم الملغاة الآن. ولكن حتى هذه الهيئة يمكن حلّها.

 

 

٧.نادي القضاة

 

 

يبدو من غير المحتمل أن تشكّك المحكمة الدستورية في أعمال لجنة الانتخابات الرئاسية. إذ يرأس اللجنة رئيس المحكمة الدستورية المتقاعد، وتضم رئيسها الجديد أيضاً، كما أن المدير الإداري للّجنة هو من المحكمة الدستورية.

القضاة الذين يعملون في المحاكم العادية لديهم نادٍ في القاهرة (له بعض الفروع في المحافظات) خدم تقليدياً أغراضاً اجتماعية، لكنه لعب في بعض الأحيان دوراً عاماً أقوى، من خلال عقد المؤتمرات وإصدار البيانات والدفاع عن المصالح القضائية. برز النادي في أواخر الستينيات، عندما اتّخذ مجلس إدارته بعض المواقف السياسية الانتقادية التي أدّت إلى "مذبحة القضاء"، حيث تم طرد أكثر من ١٠٠ قاضٍ كانوا على رأس عملهم، ومرة أخرى في منتصف العقد الماضي، عندما اتّخذ موقفاً انتقادياً من الغش في الانتخابات، واستقلال القضاء، وقضايا أخرى. قضاة مجلس الدولة لديهم نادٍ خاص بهم، لكنه لم يكن بارزاً على الصعيد السياسي.

 

 

٨. النيابة العامة / النائب العام

 

 

النيابة العامة هي الهيئة القضائية المسؤولة عن التحقيق والملاحقة القضائية للجريمة (مع بعض المسؤوليات الإضافية). أعضاؤها جزء من السلطة القضائية العادية، ومعظم القضاة يبدأون حياتهم المهنية في النيابة. وهناك نيابة منفصلة للقضايا الإدارية تابعة لمجلس الدولة.

 

 

يرأس الهيئة النائب العام، الذي هو أحد كبار المسؤولين القضائيين. ولأنه يعيّن من السلطة التنفيذية، غالباً ما يكون هذا المسؤول همزة الوصل الرئيسة بين الحكومة وبين السلطة القضائية.

 

 

٩. اللجان الانتخابية

 

 

 في مصر هيئتان منفصلتان للإشراف على الانتخابات. إحداهما للانتخابات البرلمانية وتستخدم موظفين من جميع الهيئات القضائية الكثيرة في مصر للإشراف على الانتخابات.

 

 

ثمّة لجنة منفصلة للانتخابات الرئاسية - عرّفها الإعلان الدستوري المؤقت باعتبارها هيئة قضائية - يرأسها رئيس المحكمة الدستورية العليا. ولأن رئيس المحكمة الدستورية العليا شخصية مثيرة للجدل، ولأنه تم إنشاء لجنة الانتخابات الرئاسية في العام ٢٠٠٥، كوسيلة بيد النظام للحفاظ على الرقابة على الانتخابات الرئاسية، على ما يبدو، فإن اللجنة تثير الشكوك في بعض الأحيان. ولكن يظهر أنها تنجز أعمالها بصدقيّة، ولو أن ذلك يتم أحياناً بشكل صارم إلى حدّ ما، في الانتخابات الرئاسية حتى الآن. قرارات اللجنة غير قابلة للاستئناف في المحاكم.

 

 

التداخل بين اللجنة وبين المحكمة الدستورية العليا يسبّب بعض الإحراج. فقد اتّخذت اللجنة، على سبيل المثال، موقفاً بشأن القضايا الدستورية

التداخل بين اللجنة وبين المحكمة الدستورية العليا يسبّب بعض الإحراج. فقد اتّخذت اللجنة، على سبيل المثال، موقفاً بشأن القضايا الدستورية. المسؤول الرئيسي عن لجنة الانتخابات الرئاسية يصبح ذا وظيفتين بوصفه عضواً في هيئة المفوضين في المحكمة الدستورية العليا. فقد كان أيضاً عضواً في لجنة صغيرة وضعت مسودة التعديلات الدستورية التي طرحت على الاستفتاء الشعبي العام الماضي، وأُدرِجت بعد ذلك في الإعلان الدستوري الذي ينظّم الأمور حالياً، مايعطي الشخصية نفسها دوراً في كتابة وتفسير وتطبيق النصوص الدستورية. كما أُوكِلت إلى المحكمة الدستورية العليا مهمّة إعادة النظر في مشروع قانون الانتخابات الرئاسية لتجنّب التحديات الدستورية للقانون في وقت لاحق، وقد ردّت بالإصرار على تعزيز لجنة الانتخابات الرئاسية.

ناثان براون هو أستاذ العلوم السياسية والشئون الدولية في جامعة جورج واشنطن، و عالم متميز في كارنيجي ومؤلف لستة من الكتب في السياسات العربية .

أقرأ المزيد لـ:  ناثان براون

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

 

تعليقات القراء
التعليقات التي تظهر هنا والآراء الواردة بها تعبر عن رأى كاتبها الشخصى وهي لا تمثل رأي ميدان مصر

سمر

Jul 6 2012 5:55:42:563AM


مقال رائع!!!

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم