الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

العالم

رسالة مفتوحة إلى الشعب المصري

حسين عوني بوطصالي

أصدقائي المصريين الأعزاء

 

في عشية الذكرى الأولى ليوم الحادي عشر من فبراير ٢٠١١، الذي يمثل نقطة تحول في التغيير الثوري بمصر، يغمر قلوبنا الحزن والأسى بسبب ما حدث مؤخرًا من اضطرابات شعبية وعنف غير مبرر نتجت عنهما خسائر فاجعة في أرواح بريئة وإتلاف للممتلكات العامة.

 

وبالنيابة عن الشعب التركي، شاطر الرئيس عبد الله غول ورئيس الوزراء رجب طيب أردوغان شعب مصر وحكومتها أحزانهم ونقلا تعازيهما إلى أسر ضحايا بورسعيد وأقربائهم.

 

تجري في مصر الآن عملية استثنائية للتحول نحو الديمقراطية. ويأمل كل أصدقاء مصر بصدق أن تبلغ هذه العملية أوجها بنظام حكم جديد عادل، ودائم، وخاضع للمساءلة، وممثل لكل أطياف المجتمع، قادر على مكافأة مهد حضارة النيل وشعبها الجميل على ما بذلوه من تضحيات. ومن الواضح أن هذه العملية ستستغرق بعض الوقت، لأن الديمقراطية نظام قِيم لا يمكن أن يستقيم إلا بالتعلم، والبناء، والممارسة، لا بالتوريث. لذلك، من الطبيعي أن يقابل المرء أثناء سيره على الطريق المؤدي إلى الديمقراطية الدستورية بعض المطبات أو الاختلافات المؤسسية والاجتماعية، أو من الممكن أن تستغرق عملية التحول فترة أطول من الفترة المأمولة. وقد تمر أيضًا لحظات تعاني فيها قطاعات معينة من المجتمع من مشقة التكيف مع الحقائق والقواعد الجديدة والتخلي عن العادات القديمة. ولكن العقود الطويلة من الخبرة أثبتت قيمة دفع هذا الثمن، لأن الديمقراطية لا تقدر بثمن.

 

وفي رأيي، فقد أثبت شعب مصر للعالم أنه يريد "تغييرا حقيقيا"، وأن هذا التغيير سيكون تغييرا "سلميا" نحو نظام حكم ديمقراطي متوافق مع القيم العالمية. وبينما تبني مصر ديمقراطيتها، سترحب بمساهمات أصدقائها ودعمهم لها من خلال الشراكة والتعاون لا الإملاء والتلقين.

 

ويبدو واضحًا أن الشعب المصري والقوى السياسية قد عقدوا العزم على الاتفاق على عقد جديد، عقد اجتماعي يعيد توحيد جميع قطاعات المجتمع، ويمكِّن الشعب، ويوفر له وسائل طالت حاجته إليها لحماية الحرية والكرامة والعدالة، ويعطيه في النهاية الأمل في مستقبل مزدهر يتحقق بإنعاش الاقتصاد عبر حكومة خاضعة للمساءلة. ولا شك في أن مثل هذا النوع من الفهم سيخلق طاقة من الأمل وإحساسًا بالملكية والمسئولية، وهما من العناصر الضرورية للتعبئة على المستوى الوطني من أجل بناء مستقبل مشترك للجميع.

 

وليس باليأس والتشرذم والانتقام وإنما بالأمل والعزيمة ترتفع الأمة بنفسها إلى مستوى التعبئة المطلوب حاليا في مصر، لكي تستعيد مجدها وإيقاعها الحقيقيين. وقد حان الوقت ليثبت الشعب المصري أنه شعب مسالم بطبيعته وقادر على رسم مستقبله بالحوار والتوافق وليس بالمواجهات.

 

وأنا شخصيا أعتقد أن الغالبية العظمى من الشعب المصري والقوى السياسية يعيان مسئوليتهما الضخمة، وقد أثبتا لبقية العالم خلال الانتخابات أن الحكم الديمقراطي ليس امتيازًا مقصورًا على فئة معينة من "الآخرين" وإنما هو اختيار سيادي اختارته مصر. ومع ذلك، على المرء أن يفهم أيضا أن الطريق إلى الديمقراطية ليس طريقا بسيطا ولا قصيرا، ولكنه طريق سيظل شعب مصر ملتزما بمتابعته.

 

وعلى المرء أن يفهم بوضوح أن الديمقراطية لا تعني الحكم المطلق للأغلبية، وإنما هي الحكم بالأغلبية من خلال الحوار، وإجماع الآراء، واحترام الأقليات. وبعبارة أخرى، لا تكمن قوة الديمقراطية في جوهرها في قمع آراء الأقلية أو المعارضة أو تحييدها أو تجاهلها، وإنما في احترامها واستيعابها.

 

وأينما حدثت تغييرات وتحولات في أنظمة الحكم صحبتها الاضطرابات لا محالة، نتيجة تعرُّض المجتمعات التي تحدث فيها هذه التغييرات والتحولات إلى نقاشات وجدل داخلي واسع يُظهر على السطح طموحات الناس واختلافات الرأي. وللحيولة دون تطور هذه الاختلافات إلى صراعات عنيفة، ينبغي أن يتم بناء المجتمع بالحلول الوسطى من خلال الضوابط والتوازنات و"فصل السلطات". وبعبارة أخرى، عند إحداث توازن بين القوى المتنوعة ومصادر الحكم، ينبغي أن يرسم المجتمع بوضوح خطوطا فاصلة بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية بطريقة تفسح مجالاً للحريات والحقوق والمسئوليات وتحميها، وهذا هو جوهر الديمقراطية. وأنا واثق أن مصر ستبني ديمقراطيتها الحقيقية من خلال التعامل مع هذه المخاوف والاستجابة إلى احتياجات شعبها وطموحاته. وفي النهاية، فإن فعالية كل ديمقراطية وقوتها تنبعان من البيئة التي تخلقها هذه الديمقراطية عبر وضع نظام يمثل جميع أطياف المجتمع وإحداث توازن مستدام داخله. 

 

وعلى مدار التاريخ، انحصرت حلول مشكلات البشرية المتعلقة بالحكم في مجالين أساسيين هما: "الاقتصاد" و"التعليم". وبدون تحقيق نجاح في هذين المجالين الحيويين، لن يكون هناك أمل كبير في إحراز التقدم أو في نجاح أي حكومة، وستكون فرص بناء نظام ديمقراطي دائم محدودة نوعًا ما. وعلى مصر وحكوماتها المستقبلية أيضا أن تواجه هذه التحديات. 

 

ومصر الآن على مفترق طرق في تاريخها المعاصر. وسيتطلب انتهاء الصعاب والاضطرابات عدة أجيال وبذل مزيد من التضحيات نظرًا لعدم وجود طريقة سهلة، فالتقدم والتغيير لهما دائمًا ثمن. والنهوض بمصر إلى القرن الحادي والعشرين بوصفها ديمقراطية قابلة للنمو والتطور، تعزز الكرامة والحرية والعدالة - حسب المسار الذي وضعته لها ثورة ميدان التحرير - سيكون له أيضًا ثمن، فالديمقراطية ليست مهمة سهلة، لذلك أنا لا أقلل من شأن التحديات المستقبلية ولكني ما زلت متفائلاً بحذر لأنني أؤمن بقوة إرادة الشعب المصري وقدرته على تحقيق ما يصبو إليه. ويعتبر الجدال والتوتر الحاليان بل وحتى الاحتكاكات العارضة أمرًا طبيعيًا، ولكن مادامت سلمية وكان هدفها النهائي هو بناء نظام ديمقراطي حقيقي مبني على قاعدة عريضة وممثل لجميع أطياف المجتمع، وحتى إذا كان ذلك غير مريح بل وشاقًا في بعض الأحيان.

 

لقد ارتفع منسوب نهر النيل العظيم، ولكن ليس ليغمر ضفافه هذه المرة وإنما ليحمل مصر إلى القرن الحادي والعشرين بوصفها ديمقراطية متألقة. وسيصنع الشعب المصري التاريخ مرة أخرى بتوحيد قوى المجتمع المتنوعة، الخاصة والعامة، الحضرية والريفية، الغنية والفقيرة، الرجال والنساء، وسيقدم للعالم نموذجًا نابضًا بالحياة من خلال ثورته السلمية التي أطلقت عنان الإبداع لجميع قطاعات المجتمع سعيًا وراء ديمقراطية يشترك فيها الجميع.

حسين عوني بوطصالي  هو سفير الجمهورية التركية بمصر

أقرأ المزيد لـ:  حسين عوني بوطصالي

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

 

تعليقات القراء
التعليقات التي تظهر هنا والآراء الواردة بها تعبر عن رأى كاتبها الشخصى وهي لا تمثل رأي ميدان مصر

Cathy

Apr 22 2017 6:00:48:347AM

ClPUBzDvakIQGr
Unlaeaplrled accuracy, unequivocal clarity, and undeniable importance!

Cathy

Apr 22 2017 6:02:13:110AM

ClPUBzDvakIQGr
Unlaeaplrled accuracy, unequivocal clarity, and undeniable importance!

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم