الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

السياسه

يخدمون الغرب

أحمد عادل

فنحن لنا ميراثٌ طويل مع تعليم تلقيني، يوجِّه فيه الأستاذُ الطالبَ إلى ما هو «صواب»، وغير ذلك يعتبر «خطأ» لا يمكن قبوله. لم نتدرَّب على تمرير المعلومة على «فلتر» لنرى أنقبل أم نرفض؛ لم نتعوَّد التحليل والنقد، للأسف.

 

كنت أشرح بالأمس لإحدى الطالبات الثائرات لماذا لا يصدق الكثير من الناس أن هناك من يعمل من أجل مصلحة هذا الوطن دون أن ينتظر مقابلاً. بدأ الحوار حين رأيتها مستاءة جداً وغير مصدقة بعد أن قرأتْ تغريدة لشاب يقول إنه يخجل من أنَّ بلده به أناسٌ مثل بعض النشطاء (الذين يعملون من أجل مصر) واصفاً إياهم بالقذارة. قلتُ لطالبتي إن الموضوع له أصول قديمة، وقد يتعجب القارئ مما سوف أكتبه، ولكني أعتقد أن الموضوع يستحق الاهتمام. باختصار شديد حاولت أن أقول لها إن بعض الناس ليس باستطاعتهم تصديق وجود أشخاص يعملون على خدمة غيرهم، ولا يدفعهم أحد لذلك، ولإن هؤلاء لن يخدموا غيرهم دون مقابل، فالشخص الذي لا يقوم بالفعل بنفسه يصعب عليه تصديق وجود أناس غيره يقومون بالفعل. فمثلاً: كنتُ في مدرستي آخذ راتباً أعلى من كل زملائي بشكل ملحوظ، ولكننا قمنا بعمل احتجاجات بالمدرسة للمطالبة بالمساواة في الأجور. نادتني المديرة وسألتني، أمام الطالبات، إذا كان مرتبي أعلى من زملائي، فقلت لها إنه أعلى بكثير، بل أكثر ممن هم أقدم مِنِّي بسنوات. سألتني بما معناه «لماذا تشغل نفسك بغيرك إذن؟»، فقلت لزملائي إنها لا تصدق أنني أناضل من أجل زملائي، لا من أجل مصلحة شخصية، لأنها نفسها لن تفعل مثلما أفعل. على أن الموضوع يتجاوز كل ذلك بكثير، وأرجعته، في شرحي لها، لنظريات استعمارية درستها على يد أساتذتي: الدكتورة رضوى عاشور، والدكتورة عطاف البنا، والدكتور أحمد جمال، والدكتورة شيرين مظلوم، وغيرهم، فقد غرس المُستَعمِر (بالكسر) فينا، على مدى قرون، سواء أثناء احتلال أو بعده (عن طريق الغزو الثقافي)، شعوراً بالدونية والانكسار، وعدم القدرة على تقرير المصير، فأضحى الشعور العام أننا لا نملك الاختيار، وليس باستطاعتنا فعل أي شيء.

 

 

من المعروف أن الأيديولوجيات هي مجموعة الأفكار التي تُشكِّل الفرد والمجتمع وطريقة التفكير. إنها حربُ الأفكارِ إذن.

نحن دوماً المفعول به، وليس الفاعل. قلتُ لها إن النظرية، ببساطة، هي: «أنت أحقر مِن أن تقرِّرَ مصيرَك بنفسك لأننا أعلى منك في المرتبة البشرية. أنت العبدُ ونحن دوماً الأسياد». ربما يبدو الكلام صادماً، ولكنها حقيقة ما غرسه المُستَعمِر في المُستَعمَر (بالفتح) على مَرِّ العصور. ولذلك تعجَّب الكثير من الناس حين وجدوا الكثير من الشباب يقررون مصيرهم بأنفسهم، دون أوامر من أحد.

 

 

ونحن إذ نتعلم تعليماً غربياً، فليس غريباً علينا أن نستخدم هذا العلم ضد هيمنة الغرب نفسه علينا. وها نحن نرى شباب فلسطين يدوِّنونَ بإنجليزية تُطابِقُ إنجليزية البريطانيين والأمريكان أنفسهم، ويستخدمون هذا العلم في نشر القضية الفلسطينية وتعريف العالم بجرائم الصهاينة. فالعلمُ إذن، وإن كان في ومِن مدارسَ غربيةِ الفِكر، لا يُعتَبَر جريمةً يُعاقَبُ عليها الشباب. أقول هذا الكلام لأوضح سبب استخدامي لاثنين من فلاسفة الغرب، لُوِي ألتوسير وفرانز فانون، في إثبات صحة وجهة نظري.

 

 

لقد وقعنا ضحايا غزو ثقافي زرع فينا شعوراً أن الغرب، وتحديداً الولايات المتحدة، هي صاحبة السيادة والقرار في كل شيء.

يقول لوي ألتوسير إن الإنسان أو الشعب يمكن السيطرة عليه بوسيلتين أساسيتين، يسميهما «أجهزة الدولة القمعية» و «اجهزة الدولة الأيديولوجية». تتمثل أجهزة الدولة القمعية في «القوانين والمحاكم والشرطة وأخيراً الجيش» وتتمثل أجهزة الدولة الأيديولوجية في «العائلة، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الدينية، والأهم - خصوــصاً في المجتمعات الرأسمالية - النظام التعليمي». هذه هي وسائل الدولة للتحكم في شعوبها. وليس غريباً أن نرى أنه كُلَّما زادت نسبة الجهل، سَهُلَت سيطرة الحُكَّام على الشعوب. فالجاهل يمكن إيهامُه بأي شيء، عن طريق وسائل الإعلام المختلفة.

 

 

يعرف معظم الناس وسائل أجهزة الدولة القمعية، التي تقمع أية محاولة للخروج عن الإطار أو الشرعية كما يقولون. ولكن لا يدرك الكثيرون خطورة وسائل/أجهزة الدولة الأيديولوجية. فتلك الوسائل وسائل خفية، ناعمة، «من تحت لتحت» كما نسميها. من المعروف أن الأيديولوجيات هي مجموعة الأفكار التي تُشكِّل الفرد والمجتمع وطريقة التفكير. إنها حربُ الأفكارِ إذن. فالتعليم يزرع أفكاراً قد يصعب نزعها من الشخص بسهولة، والإعلام يسيطر على العقول بسرعة لا يمكن قياسها. ولذلك، إن أراد الناس تمجيد الحاكِم، وضعوه في كتبِ التاريخ التي يَدرسُها الطلاب وكأنه بطلٌ مغوارٌ لا مثيلَ له، وكذلك إنْ أراد الحاكِمُ تشويهَ مَن قبله، فإنه يَذكُرُ مساوئه فقط ولا يَذكُرُ تاريخَه المُشرِّف، وهكذا. 

 

 

حرب الأفكار لا يُدركها عَوامُ الناس، ويقعون فريسةً لها بكل بساطة. ولذلك، فإن تطهير الإعلام لا يقل أهمية عن تطهير وزارة الداخلية.

وفى رأيي، أقولُ إنَّ أجهزةَ الدولة الأيديولوجية أخطرُ بكثيرٍ مِن أجهزتها القمعية، فالقمعُ يُرَى بسهولةٍ ووضوحٍ للعيان (بغضِّ النظر عن بعض الناس الذين ابتلاهم الله بطبيعة غير بشرية، لا تتأثر بقتل النفس البشرية، وتحاول تبرير تلك الجرائم)؛ أما حرب الأفكار فلا يُدركها عَوامُ الناس، ويقعون فريسةً لها بكل بساطة. ولذلك، فإن تطهير الإعلام لا يقل أهمية عن تطهير وزارة الداخلية، بل يكاد يعادله في الأهمية. ولا عَجَبَ إذن من أن الناس تصدق ما يُقال لها على شاشات الإعلام المُوَجَّه؛ فنحن لنا ميراثٌ طويل مع تعليم تلقيني، يوجِّه فيه الأستاذُ الطالبَ إلى ما هو «صواب»، وغير ذلك يعتبر «خطأ» لا يمكن قبوله. لم نتدرَّب على تمرير المعلومة على «فلتر» لنرى أنقبل أم نرفض؛ لم نتعوَّد التحليل والنقد، للأسف.

 

 

فى كتابه «جلد أسود، قناع أبيض»، يقدم فرانز فانون تحليلاً نفسياً لشعور الشعوب السوداء إزاء الشعوب البيضاء، فيقول ما معناه إن المُستَعمِر الأبيض غرس عقدة الدونية والخنوع في المُستَعمَر الأسود، حتى جعلَ الأسودَ يتمنى أنْ يكونَ أبيضَ لكي يكونَ على مستوى إنسانيةِ الأبيض. ولذلك، فقد يتصرَّف الأسودُ على أنه أبيض، لمجرد أن يشعرَ أنه إنسانٌ على مُستوى بقيةِ البشر، فيستخدمُ الأسودُ لغة «السيِّد» الأبيض في كتاباته، ويلبس ملابس السيد الأبيض، ويحاول قطع كل علاقة له بتراثه الأصلي، لأنه يشعر في قرارة نفسه أن الأبيض الغربي هو النموذج الذي ينبغي أن يكون عليه البشر. لقد وقعنا ضحايا غزو ثقافي زرع فينا شعوراً أن الغرب، وتحديداً الولايات المتحدة، هي صاحبة السيادة والقرار في كل شيء، فمصرُ لن تتغير مادامت الولايات المتحدة لا تُريد تغييرها، وفلسطينُ لن تتحرَّر مادامت الولايات المتحدة لا تُريد تحريرها، إلى آخر هذا الكلام. وهذا، وإن كان فيه جانبٌ كبيرٌ من الــصِّحة، إلا أنه لا يجب أبداً أن يجعلنا نصدِّق أننا، نحنُ الشبابَ الذي قرر أن يثور، قد تلقينا أوامرَ من أمريكا ولا من غيرها.

 

 

كل من يردد ويقول إن الثوَّارَ مُمَوَّلين مِنَ الخارجِ أو عُملاءَ للغرب، أو أنهم تلقوا أوامرَ بالثورةِ من الولايات المتحدة، فهم يرَوِّجونَ لأفكارهم الاستعمارية المُثَبِّطَة للعزائم، وينسبون الفضلَ لمن لا يستحقونه.

فالمتابع للتصريحات الأمريكية في بداية الثورة وفي وسطها وآخرها سيجد ارتباكاً واضحاً في ردود الأفعال. وقد قال لي دكتور تميم البرغوثي يوماً إنه كان في أمريكا خلال الأيام الأولى للثورة المصرية، وقد رأى الإعلام الأمريكي يحاول أن يُقنعَ العالَمَ أنهم هُم مَن علَّمونا الحرية والديمقراطية، بل وهم من صنعوا الثورة!  وعليه، فإن كل من يردد ويقول إن الثوَّارَ مُمَوَّلين مِنَ الخارجِ أو عُملاءَ للغرب، أو أنهم تلقوا أوامرَ بالثورةِ من الولايات المتحدة وغيرها، إنما يَخدِمُونَ الغربَ بذلك، فهُم يرَوِّجونَ لأفكارهم الاستعمارية المُثَبِّطَة للعزائم، وينسبون الفضلَ لمن لا يستحقونه، بل وينفون عن شبابِ مصرَ الباسلِ أيَّة قُدرةٍ على اتخاذِ القرارِ وتحديد المصير واختيار ما يريدون. ألا ساء ما يفعلون!

 

 

التعليم هو الحل

 

 

أحمد عادل تخرج من كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية-جامعة عين شمس. يعمل مدرسا للغة الإنجليزية ومترجما ويكتب قصصا قصيرة

أقرأ المزيد لـ:  أحمد عادل

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

 

تعليقات القراء
التعليقات التي تظهر هنا والآراء الواردة بها تعبر عن رأى كاتبها الشخصى وهي لا تمثل رأي ميدان مصر

سمر

Jul 6 2012 6:01:07:843AM


أحمد عادل كاتب رائع يتميز ببساطة الأسلوب وجماله. هذه ثاني مرة أقرأ فيها مقاله وأنا في قمة الاستمتاع.

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم