الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الحياه

عن أهمية التسمية: لا زلنا أقباطًا

كريم همام

استمر المصريون في تعريف أنفسهم بوصفهم مصريين ببساطة، وذلك إلى أن جاء النظام الفاشي السياسي للدولة في الخمسينيات وأضاف صدعًا جديدًا في لُحمتنا الاجتماعية من خلال إعادة تشكيل هويتنا بوصفنا عربًا.

 

 

في بعض الأحيان يمكن أن يؤدي الجهل بأمة إلى محاربة نفسها. وفي بعض الأحيان من الممكن أن يستمر هذا الجهل من أشخاص ظنًا منهم أنهم يحاولون أن يساعدوا. 

 

فكلمة "قبطي" تعني "مصر"، إذ جاء المسميان إلينا من الكلمة العربية "قِبط" (بكسر القاف) ومن الكلمة اليونانية "أيجيبتوس" المشتقة من المصدر المصري "كمت"، حيث استبدل بالحرف "م" الحرف الصوتي "ب". الأمر بهذه البساطة، ولا تصدقوا أي قول مخالف لذلك. ومثلي مثل الكاهن الأكبر مانيثون من مدينة "سبينيتوس" (المدينة التي شهد اسمها تحولاً لغويًا بحيث أصبحت تُعرف في الوقت الحاضر باسم "سمنود") في القرن الثالث قبل الميلاد الذي ألف كتابه عن تاريخ مصر بعنوان إيجيبتياكا وغيره من الكتب الأخرى باللغة اليونانية بتكليف من الملك بطليموس الثاني فيلادلفيوس لتعريف الإمبراطورية اليونانية بتاريخ مصر القديم مع تنقيته من أي أفكار خاطئة ارتأى أن كتاب هيرودوت احتوى عليها، أشعر باحتياج إلى كتابة هذا المقال لتعريف قرائي ببعض أوجه الالتباس التي تعاني تسميتنا منها. 

 

‎قد كان الزوار الأوائل الذين أتوا إلى مصر يشيرون إلى المسيحيين والمسلمين بمسمى الأقباط.

فكلمة مصر ليست اسمًا لجنس، ولكنها اسم للون؛ ولكن اللون ليس لون البشر بل لون الأرض. "فالأسود" هو لون وادي النيل ودلتاه كلما تجددت خصوبته بالطمي الغني الذي كانت تجلبه لنا الفيضانات السنوية المقدسة في الماضي. 

 

ولم يكن الاسم أبدًا اسمًا لديانة. فقد كان الزوار الأوائل الذين أتوا إلى مصر يشيرون إلى المسيحيين والمسلمين بمسمى الأقباط. فقد أشار ابن خلدون في القرن الرابع عشر وهو الباحث والمؤرخ وعالم الاجتماع إلى المصريين الفراعنة قبل العصر المسيحي باسم الأقباط أيضًا. ولا يتطلب الأمر ذكاءً خارقًا بل مجرد تفكير منطقي بسيط عندما كان معنى الكلمة لا يزال معلومًا أو على الأقل مستخدمًا بشكل سليم. 

 

‎كلمة مصر ليست اسمًا لجنس، ولكنها اسم للون؛ ولكن اللون ليس لون البشر بل لون الأرض.

استمر المصريون في تعريف أنفسهم بوصفهم مصريين ببساطة، وذلك إلى أن جاء النظام الفاشي السياسي للدولة في الخمسينيات وأضاف صدعًا جديدًا في لُحمتنا الاجتماعية من خلال إعادة تشكيل هويتنا بوصفنا عربًا. فعلى العكس من اسمنا الأصلي الذي ربط هويتنا بالأرض، عرفتنا تسميتنا الجديدة هذه المرة بوصفنا جزءًا من جنس أوسع. ولم يكن ذلك سوى واحدة أخرى من التصرفات السياسية غير المحسوبة التي أضيفت إلى سلسلة إخفاقات ذلك النظام الكارثية المتتالية بدلاً من إنتاجه للأثر المرغوب ألا وهو تعزيزنا نحن الشعب، مما أدى إلى تفاخرنا تحديدًا بتتبع جذورنا المتفرقة في شتى بقاع الأرض بدلا من بحثنا عنها في إحدى القرى أو البلدات الواقعة على هذه التربة السوداء العتيقة. 

 

أما اصطلاح "عربي" فيشير في الواقع لغويًا لا إلى جنس بعينه بل إلى حالة وجود، إذ يرمز جذر الكلمة إلى "الترحال". وعلى العكس من ذلك فإن اسم المزارع المصري "الفلاح" يعني حرفيًا كون المرء "فلاحًا" للأرض ضاربًا بجذوره فيها. وبناء على هذين الشكلين المختلفين تمام الاختلاف للوجود القائم على الترحال من ناحية والآخر القائم على الزراعة من ناحية ثانية نشأت بعض السلوكيات والعادات المختلفة التي يتسم بها كل من الفلاح المصري والبدوي العربي، ولكن العديد من أصحاب الأيديولوجيات السياسية الحضرية والكتاب والصحفيين والمواطنين الذين خضعوا لتوجيه الدولة المُعلمة لما هو عكس ذلك قد غفلوا عن هذه الاختلافات.  

 

أما اصطلاح "عربي" فيشير في الواقع لغويًا لا إلى جنس بعينه بل إلى حالة وجود، إذ يرمز جذر الكلمة إلى "الترحال". وعلى العكس من ذلك فإن اسم المزارع المصري "الفلاح" يعني حرفيًا كون المرء "فلاحًا" للأرض.

لم تُشتهر مصر أبدًا بكونها ممارسة للسياسات العنصرية بل كانت دومًا بوتقة انصهار: فربما كنا جميعنا زرَّاعًا رُحَّل في وقت ما في الماضي عندما هبطنا جميعًا إلى وادي النهر الخصيب الأوحد من الصحراء الآخذة في الجفاف من حولنا من جميع الأنحاء المتفرقة بحيث تمكنا من تكوين الدولة الوطنية المصرية المتماسكة، وهي الدولة التي توحدت في وقت ما مع نهاية القرن الرابع قبل الميلاد. بل ومنذ العصور القديمة كانت اللغة المصرية وإلى الآن لغة إفريقية- سامية، واستمر وادي النيل حتى العصر الحديث في امتصاص المهاجرين واستيعابهم لثقافة الوادي الموحدة، بحيث نحيا كلنا حياة متشابهة بسبب طبوغرافيا الأرض القياسية وطبيعة ثقافتنا المترابطة وجميعنا يُعرّف نفسه ببساطة وبرضا بوصفه مصريًا: أي وفقًا لاسم هذه الأرض.  

 

لم تُشتهر مصر أبدًا بكونها ممارسة للسياسات العنصرية بل كانت دومًا بوتقة انصهار.

لم تُشتهر مصر أبدًا بكونها ممارسة للسياسات العنصرية بل كانت دومًا بوتقة انصهار.

وأشاهد في الأخبار مرتادي الكنيسة الغيورون يلقون بالحجارة على قوات الأمن لأنها تحول دون السماح لهم ببناء كنيسة، كما أشاهد صورة لقوات الأمن يدعمها رجل في منتصف العمر وسيدة ترتدي النقاب وهم يردون بقذف مرتادي الكنيسة بالحجارة. كم هي محدودة المعرفة تلك السيدة التي تقذف بالحجارة إخوانها الأقباط، وكم هو محدودٌ إدراك مرتادي الكنيسة بأنهم قد يكونون يقذفون بالحجارة ابنًا لهم أو ابن أخ أو أخت،  ذلك لأن من بين الأحاديث النبوية الشريفة - التي تنطبق على حالتنا بشكل حرفي - ما ينص على أننا نحن المتحولين إلى الإسلام نشير إلى أقاربنا المسيحيين بمسمى "أخوالنا الأقباط". ويا لها من مأساة أن نشهد مثل هذا التطور في الصدع الذي أصاب أسرتنا الواحدة بسبب تسمية خاطئة سخيفة. 

أقرأ المزيد لـ:  كريم همام

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

 

تعليقات القراء
التعليقات التي تظهر هنا والآراء الواردة بها تعبر عن رأى كاتبها الشخصى وهي لا تمثل رأي ميدان مصر

ロレックス レディース レプリカ youtube

Sep 26 2016 8:44:18:357AM

ロレックス レディース レプリカ youtube
スーパーコピーブランド時計専門店 日本超人気スーパーコピーブランド時計激安通販専門店 2016年最高品質時計コピー、国際ブランド腕時計コピー、 業界唯一無二.世界一流の高品質ブランドコピー時計。 高品質のロレックス時計コピー、カルティエ時計コピー、IWC時計コピー、 ブライトリング時計コピー、パネライ時計コピー激安販売中 商品の数量は多い、品質はよい。 海外直営店直接買い付け! 製品はされています高品質と低価格で提供!歓迎新旧顧客お願いします! [url=http://www.ooobag.com/watch/rolex/index_3.html]ロレックス レディース レプリカ youtube[/url]

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم