الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

السياسه

التوجه الاستراتيجي للثورة المصرية

طارق عثمان

عادة ما تأخذ الثورات منحى من اثنين. في المنحى الأول يتم التنازل للشعبوية والرضوخ للمطالب المندفعة للجماهير الغاضبة والاستسلام للرغبات الاجتماعية والاقتصادية. أما المنحى الآخر، يصبح فيه زعماء الثورة روادًا اجتماعيين.

 

 

في وسط محاكمة الرئيس مبارك، وهي المرة الأولى التي يحاسب فيها الشعب حاكمه العربي في محكمة، وتدهور الوضع الأمني في مصر، واللا يقين الذي يواجه المجتمع المصري كثرت التخمينات عن التوجه الذي ستتخذه مصر. إن ديمغرافيا مصر الهائلة ودورها المؤثر تقليديًا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يجعل من مستقبل البلد اختبار المحك بالنسبة للربيع العربي، وتتزايد المخاوف أن تتحول السيولة الحالية إلى فوضى. إلا أن كل الثورات ينتج عنها استقطاب وغموض وحالة مصر 2011 لا تختلف عن ذلك.

 

 

عادة ما تأخذ الثورات منحى من اثنين. في المنحى الأول يتم التنازل للشعبوية والرضوخ للمطالب المندفعة للجماهير الغاضبة والاستسلام للرغبات الاجتماعية والاقتصادية. وينطوي هذا الطريق على التنازل أمام الجماهير الغاضبة الراغبة في الانتقام والتي تريد أن تنفصل عن الماضي الذي تمردت عليه وتشهد معاقبة المسئولين عنه عقابًا عسيرًا. هذا المنحى ينطوي أيضًا على رفع مستوى تفكيك المركزية سياسيًا واجتماعيًا، وتسعي فيها الدوائر المحلية المختلفة لتحقيق ما تبدو أنها "مكاسب سريعة" فورية.

 

 

أما المنحى الآخر، يصبح فيه زعماء الثورة روادًا اجتماعيين، يعلون تدريجيًا فوق السيولة التي تتبع التحولات السياسية ويقودون المجتمع نحو نظام مستدام، نظام يقيم المساواة والتعددية وسيادة القانون ومزاج اجتماعي ناضج ومعتدل (وتحافظ عليه). في هذا الاتجاه يصبح هؤلاء الزعماء الآباء المؤسسين لنظام باق ويصل المجتمع تدريجيًا للأمان السياسي والاقتصادي. 

 

 

العامل الذي حسم نجاح الثورة كان الشرعية التي أضفتها الطبقة المصرية الوسطى عليها.

تفتقر ثورة مصر 2011 للزعماء. فقد خرجت كتعبير غاضب نظمه عدد من المجموعات الشبابية ثم تحولت إلى ثورة قادتها قوى اجتماعية واسعة بداخل الاتحادات العمالية (وبدرجة أقل النقابات المهنية) إلى تمرد منظم لعبت فيه قطاعات الشباب في حركات الإسلام السياسي المصري دورًا حاسمًا، وفي اللحظة الفاصلة كانت قاب قوسين من أن تصبح عصيانًا مدنيا واسعا، إلا أن العامل الذي حسم نجاح الثورة كان الشرعية التي أضفتها الطبقة المصرية الوسطى عليها. 

 

 

الزخم الذي نتج عن تجمّع هذه القوى كسر إدارة الرئيس مبارك، لكنه أضعف من تأثير أي مجموعة منها. فلا المجموعات الشبابية التي حشدت للثورة ولا اللاعبين الاجتماعيين ولا الحركات الإسلامية تستطيع أن تزعم بصدق أنها وحدها تملك الثورة أو تتزعمها.

 

 

بات هناك احتمال قوي أن يدفع انعدام القيادة مصر إلى مسار الفوضى. في هذا السيناريو ستمر البلاد بعدة سنوات مضطربة حتى تسفر التفاعلات بين القوى السياسية المختلفة في البلاد عن ظهور قيادات جديدة تستطيع أن ترشد المجتمع نحو نظام مستدام. في هذه الظروف، سيضيع الزخم الذي قد تحقق نتيجة للثورة، في نزاعات على السلطة (ذات طابع اقتصادي وكذلك سياسي). في مصر قد يثير ذلك أيضًا عدة صعاب، من قلة السيطرة على ترتيب الأولويات الاقتصادية الملحة حتى التعامل غير الناضج مع مهام شديدة الأهمية ككتابة الدستور واندلاع لقلاقل طائفية محتملة. طالما اتسمت مصر بأنها دولة شديدة المركزية، ومثل هذا التذبذب (الذي قد يصل لتهور محتمل) سيضعف كثيرًا من اتخاذ القرارات (بالأخص في مجالات السيادة المحورية داخليًا وخارجيًا). وإذا ما حدث ذلك، لن تخسر مصر فحسب، بل ستفقد الصحوة العربية زخمها وتوجهها، وستعم فترة بلبلة في المنطقة.

 

 

أما السيناريو الآخر فهو أن تجتمع بعض الشخصيات القيادية من المجتمع المصري التي تحظى باحترام واسع والتي تحدت نظام مبارك بشجاعة والمنحدرة من خلفيات مختلفة وأن تقدم دعائم نظام مستدام: أسس دستور جديد، وثيقة حقوق وإطار من ضوابط وتوازنات قد تشكل إطارًا صادقًا لمسار البلد نحو تعددية وديمقراطية حقيقية. إلا أنه على هؤلاء النجوم الاجتماعيين، ليحظى هذا السيناريو بفرصة للنجاح، التخلي عن كل الطموحات السياسية وعليهم التواصل وإعادة كسب ثقة الدوائر الواسعة (بالأخص داخل الطبقة المتوسطة)، كما على هذه المجموعة أن تمثل فئات مختلفة في المجتمع المصري. ولا داعي للاعتماد على نواب البرلمان مباشرة ولكن بالتأكيد يجب كسب دعم واسع بين صفوفه. 

 

 

أهم ما يمكن تقديمه هو دستور عصري لا يتوافق إلا مع الواقع والمزاج الاجتماعي لمصر اليوم، ولكن كذلك يضع في الاعتبار التجربة التاريخية الثرية لهذا البلد منذ أن احتضن الحداثة من أكثر من مائتي عام، وأن تتابع بعين يقظة الطبيعية المرنة في مجتمع فيه حوالي خمسة وأربعين مليون نسمة تحت سن الخامسة والثلاثين.

 

 

أساس الفكرة أن وضع السيولة هذا، في مجتمع يتسم بشبابية كبيرة، وترتفع فيها نسبة الأمية بـ30%، ويخرج من أرقام فشل سياسي كلي، ويواجه وضعًا اقتصاديًا صعبًا، وما هو أهم أنه ما زال يتحسس طريقه (داخليًا وكذلك في منطقة شديدة الاضطراب)، يجلب المخاطر، ليس فقط اقتصاديًا، إنما، ما هو قد يكون أخطر، اجتماعيًا. 

 

 

أظهرت طبقة مصر المتوسطة وبالأخص الشباب في هذه الطبقة الاجتماعية الديمغرافية الكبيرة نضجًا غير عادي في خلال الشهور الأولى من عام 2011. إذا استطاعوا أن يأخذوا المجتمع في اتجاه ثابت ستصبح مصر مرة أخرى (كما كان الحال في النصف الأول من القرن العشرين) مركز الثقل في المنطقة وسيكون للصحوة العربية فرصة أكيدة في القيادة في المرحلة الجديدة الواعدة في تاريخ العالم العربي. 

 

طارق عثمان هو مؤلف كتاب «مصر على حافة الهاوية : من ناصر الي مبارك»

أقرأ المزيد لـ:  طارق عثمان

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم