الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

السياسه

البرجماتية المصرية

أحمد منتصر

 الشخص أو الجماعة البرجماتية هي التي تفوز بالمعارك الحياتية الفعلية، على الرغم من خسارتها دومًا في المعارك اللفظية.

 

البرجماتية لا تعنى بكيفية نطق كلمة النجاح بصورة صحيحة بقدر ما تتشبث وتدعو لتفعيل كلمة النجاح وجعلها واقعًا معيشًا يمكن للمرء أن يعيشه ويعترف به الآخرون



فوجئت بأن الكثيرين من نشطاء السياسة المصرية وثوار ٢٥ يناير لا يعرفون ما معنى برجماتية، ويغفلون عن واحدة من أهم النظريات والمصطلحات السياسية في القرن العشرين. في أروقة السياسة ومطابخها يقال عن فعل أو سلوك ما بأنه برجماتي إذا ما كان ينبع من الاستغلال أو سعى فاعله لمصلحته الشخصية أو مصلحة وطنه بغض النظر عن المبدأ الأخلاقي أو المثالي. فيقال مثلاً إن تصرف الساسة الإسرائيليين بشأن القضية الفلسطينية ينبع من مصلحة برجماتية بحتة؛ حيث يقومون بتصرفات وأفعال برجماتية تخدم مصالحهم. وإن كان من الملاحظ أن البرجماتي الذي تتسق أفعاله دومًا مع مصلحته وما يسعى إليه تكون كلماته فضفاضة مثالية لا تعبر غالبًا عن توجهاته ولا أفعاله العملية.

 

من هنا نعرف أن البرجماتية هي نظرية عملية تُعنى بالعمل والنتيجة الناجحة بغض النظر عن الأفكار والقيم والمبادئ المثالية العليا. والشخص البرجماتي هو الشخص الذي يندفع دومًا نحو تحقيق مصلحته، وقد يضطر أحيانًا إلى الإضرار بالآخرين من أجل تحقيق مصلحته البحتة فقط.


 

تعتمد وسطية الإسلام التي تتزعمها سياسيًا جماعة الإخوان المسلمين حلاً برجماتيًا خالصًا للاقتراب من رجل الشارع المصري البسيط

وفي أغلب الأحيان، فإن الشخص أو الجماعة البرجماتية هي التي تفوز بالمعارك الحياتية الفعلية، على الرغم من خسارتها دومًا في المعارك اللفظية والمناقشات المستعرة في برامج التوك شوز والفضائيات، حيث إن البرجماتية كما أسلفنا لا تعنى بكيفية نطق كلمة النجاح بصورة صحيحة بقدر ما تتشبث وتدعو لتفعيل كلمة النجاح وجعلها واقعًا معيشًا يمكن للمرء أن يعيشه ويعترف به الآخرون.

ولعل أبرز الجماعات التي نجحت في الفترة الماضية - فترة ما بعد ثورة ٢٥ يناير-  جماعة الإخوان المسلمين ممثلة على الأخص في الذراع السياسية للجماعة ألا وهو حزب الحرية والعدالة الذي نجح في فترة قصيرة في حشد ما يقرب من ٥٠% من أصوات الشعب المصري للتصويت للقائمة الانتخابية التي كان يتزعمها في انتخابات مجلسي الشعب والشورى في عامي   ٢٠١١ – ٢٠١٢. ويمكن بشيء من اليقين أن توصف تصرفات الجماعة بالبرجماتية، حيث إن النجاح الذي حققته الجماعة كان في فترة قصيرة ودون الاعتماد على قيم ومثل كبرى يتشدق بها ثوار ميدان التحرير والأحزاب التي تتبنى أيديولوجيات عقائدية كالأحزاب الليبرالية والاشتراكية اللهم إلا حزب النور السلفي، وإن كان يمكن القول بشيء من اليقين كذلك إن حزب النور حصد المركز الثاني في الانتخابات السالف ذكرها لأن المصوتين له افترضوا افتراضًا برجماتيًا أن أعضاءه أقل فسادًا من الحزب الوطني المنحل والذي كان يهيمن على خيراتمصر ويقتات على أقوات المواطنين البسطاء.

 

تمثلت برجماتية حزب الحرية والعدالة في عدة أشياء نجملها فيما يلي:

 

•  لم يدع الحزب إلى أيديولوجية معينة أو برنامج سياسي معين بل دعا إلى توحد الشعب المصري ضد فلول الحزب الوطني المنحل. وضمت قائمته الانتخابية أشخاصًا ذو مرجعيات إسلامية وليبرالية          واشتراكية . وهو مطلب برجماتي بحت.

 

•  اعتمد الحزب بشكل كبير على اضطهاد الدولة البوليسية - العسكرية له طوال ستين عامًا فاستدر عطف الناس للحصول على أصواتهم في الانتخابات والهيمنة على أبرز مجلسين تشريعيين في الدولة.

 

•  لاحظ صناع القرار بحزب الحرية والعدالة أو جماعة الإخوان المسلمين أن أغلب الشعب قد تضرر كثيرًا من ثورة 25 يناير مثلما استفاد. وكانت الأضرار الاقتصادية عاملاً حاسمًا لكثير من المواطنين للتصويت للإخوان المسلمين مقابل أن يحققوا رخاء اقتصاديًا سريعًا خوفًا من تصريحات الأحزاب الثورية الجديدة كالتيار المصري والعدل والتي تتصادم مع المجلس العسكري الحاكم للبلاد عقب الثورة مما قد يسبب تدهورًا اقتصاديًا أكثر.

لم يدع حزب ألحرية و العدالة إلى أيديولوجية معينة أو برنامج سياسي معين بل دعا إلى توحد الشعب المصري ضد فلول الحزب الوطني المنحل

 

•  تعتمد وسطية الإسلام التي تتزعمها سياسيًا جماعة الإخوان المسلمين حلاً برجماتيًا خالصًا للاقتراب من رجل الشارع المصري البسيط فتتركه على حاله دون كثير من الوعظ مقابل أن تشعره أنه رجل مسلم صالح يعمل لآخرته بالتصويت للجماعة في الانتخابات. وهي نظرة دينية برجماتية يجب الإشارة إليها، فكثير من الناس يعبدون الله كي يدخلهم الجنة، لا عن اقتناع بالدين نفسه.

 

من هنا يتبين لنا أن البرجماتية، وإن كان يكثر منتقدوها من المنظرين والمفكرين والمتكلمين، إلا أنها أنجح الطرق كي تصل جماعة سياسية أو رجل السياسة إلى هدفه. وستظل البرجماتية ناجحة وفعالة في أيدي الأخيار والأشرار معًا حتى نكتشف طريقة أكثر نجاحًا لتحقيق أهدافنا الحياتية. 

 

 

أقرأ المزيد لـ:  أحمد منتصر

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم