الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

الإقتصاد

الحرية السياسية والحرية الاقتصادية إيد واحدة

احمد كوجوك

 بعد النجاح السياسى لثورة ٢٥ يناير، بدأت التساؤلات تتزايد حول مدى ملائمة التوجه الإقتصادى السائد فضوء عدم قدرته على تحقيق طموحات العديد من فئات الشعب المصرى، وهى ملاحظة يمكن توثيقها من خلال بعض البيانات الإقتصادية والاجتماعية كمعدلات البطالة المرتفعة خاصة فى فئة الشباب الحاصل على شهادة جامعية، والتفاوت الصارخ فى الدخول، وإنتشار الفساد بشكل منتظم.  وفى ضوء هذه المؤشرات ومنطقية التساؤل يظل هناك خيارين إقتصاديين رئيسيين يتنافسا أمام صانع القرار هما إستمرار نظام «السوق الحرة» المتبع خلال السنوات السابقة والتى زادت وتيرته بقدوم حكومة الدكتور/ أحمد نظيف أو العودة لنظام إقتصادى يتصف «بالتخطيط المركزى وسيطرة الدولة على العملية الإنتاجية» كما كان متبعاً خلال الحقبة الناصرية. ويقوم أنصار كل فريق حالياً بمحاولات لتعبئة الرأي العام بأهمية تبنى النظام الاقتصادى الذى يؤمنون به لقدرته على تحقيق النتائج المرجوة والتى طال إنتظارها لسنوات بل ولعقود.  ولتحقيق هذا المراد يستعين كل فريق بالإخفاقات السابقة (وما أكثرها) التى عايشها المصريون إبان تطبيق كلا النظامين بشكل يفوق ذكر النتائج الإيجابية التى تحققت فى ظل النظام الاقتصادى المفضل لديهم. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الصراع يحظى فيه أنصار تغيير النظام الإقتصادى الحالى بميزة نسبية نتيجة سهولة تذكير المواطن بإخفاقات الأعوام السابقة فضلا عن ظهور العديد من الأدلة التى تدين رموز النظام الإقتصادى الحالى. وفى ظل هذا الصراع الدائر يقف المواطن البسيط يحلم بمستقبل أفضل له ولأولاده ولكنة يظل عاجز عن تحديد مكونات واضحة وواقعية للسياسة الإقتصادية تضمن له حياة كريمة. لذا يهدف هذا المقال إلى توضيح بعض الحقائق والأسس الاقتصادية التى يمكن أن تستخدم كمرجعية لتقييم التوجه الإقتصادى الأفضل خلال الفترة القادمة.      

 

يقاس نجاح أى نظام (إقتصادى أو غيره)  بمدى قدرته على تحقيق الأهداف والنتائج المرجوة فى اقصر وقت وبإستخدام أقل قدر من الموارد.


و لذلك الأهمية توضيح بعض الحقائق الإقتصادية الهامة للقارئ على النحو التالى:

١لا يوجد نظام إقتصادى واحد يناسب جميع الأزمنة والشعوب، حيث أن النظم بشكل عام تتطور فى ضوء التجارب الفعلية والخبرات المتراكمة وكذلك أولويات الشعوب  وخصائصهم. كما يجب التنويه بان النظم الاقتصادية ليست لها قدسية مطلقة، ومن ثم فهى قد تناسب مرحلة تنموية معينة أو متطلبات فترة زمنية دون الأخرى.   


 ٢لا توجد وصفة سحرية تضمن تحقيق النتائج المرجوة بنجاح، حيث يختلف الإقتصاد عن غيرة من المجالات بتعدد العناصر المؤثرة فى مؤشراته وتفاعلها بشكل ديناميكى، وهو يعب من عملية التنبؤ بالمخرجات النهائية للسياسات المتبعة فى ظل هذا الكم الهائل من المتغيرات.  


٣لا يجب قياس مدى فاعلية نظام إقتصادى بمعزل عن البيئة المحيطة به، خاصة الإطار السياسى المتبع فى وقته بالإضافة إلى السياسات والتوجهات الإجتماعية والتعليمية الحاكمة لفترة المتابعة بالإضافة إلى مرتكزات النظام العالمى السائد والذى يؤثر دون شك فى الإقتصاد الوطنى. كما يجب التأكيد على تأثر النتائج الإقتصادية بكل من السياسات المتبعة، وآليات التنفيذ والمتابعة، وكفاءة الجهات الرقابية والإطار المؤسسى الحاكم.


وفى ضوء المحددات السابق ذكرها، أرى أن التسلسل المنطقى للأحداث يفرض علينا إختيار نظام إقتصادى يتسق مع الأهداف الرئيسية لثورة ٢٥ يناير والتي رددها الشعب فى هتافه الموجز الشهير «حرية، كرامة، عدالة إجتماعية»، وذلك حتى لا يتم تكرار أخطاء الماضى من تطبيق نظام إقتصادى لا يتناسب مع التوجهات السياسية الداخلية للبلاد. ومع وضوح الرؤية حول التوجه السياسى بمصر خلال الفترة القادمة المنادى بالحرية السياسية والتى تتمثل فى إيجاد نظام ديمقراطي يسمح بتداول السلطة من خلال صناديق الإقتراع، ويضع ضوابط واضحة للفصل بين السلطات، ويصون حرية المواطن فى ظل إطار قانونى يطبق على الجميع،  فأننى أرى أن الإنتقال السلمى للحرية السياسية فى مصر لا بد أن يواكبه نظام إقتصادى متسق يضمن للمواطن حرية العمل والإستثمار والإنفاق دون الإخلال بواجبات عمله أو تجاوز لنصوص التشريعات الحاكمة. وفى ضوء هذه الفرضية، فأرى أن نظام «السوق الحرة» يظل هو الأكثر اتساقاً مع أولويات المرحلة القادمة وكذلك مع أسس ومرتكزات النظام الإقتصادى العالمى ولكن مع التأكيد على أهمية صياغة وتفعيل حزمة من السياسات تضمن عدالة أكبر فى توزيع الثروات والدخل وتضع نظام حوافز يشجع على العمل والإجادة والابتكار.


وتشير التجربة المصرية وكذلك العديد من التجارب الدولية الراهنة بضرورة الإهتمام بالفئات المهمشة التى لا تستطيع الإستفادة من النمو الإقتصادى بشكل طبيعى نتيجة افتقارها للمهارات الأساسية، وهو ما يستلزم وجود شبكة ضمان إجتماعى على درجة عالية من الكفاءة لحمايتهم. وتتناول النقاط الثلاث التالية الأسباب الفنية الأخرى التى بنيت عليها وجهة نظرى المطالبة بإستمرار سياسات «السوق الحرة»  مع تطعيمها بحزمة من سياسات الحماية الإجتماعية المناسبة:    

 

خيارين إقتصاديين يتنافسا أمام صانع القرار هما إستمرار نظام «السوق الحرة»أو العودة لنظام إقتصادى يتصف «التخطيط المركزى و سيطرة الدولة على العملية الإنتاجية»

أولاً: تتضمن سياسات «السوق الحرة» بطبيعتها أطر تحليلية تسمح بتقييم اثر السياسات والإجراءات المتبعة، وهو أمر هام يضمن وجود قنوات دائمة للرقابة والتصويب وهو ما يعرف فى الأدبيات الإقتصادية باليد الخفية للسوق والتى تقوم بتصويب السياسات بشكل مستمر دون الحاجة للإنتظار لفترات طويلة تتفاقم فيها المشكلات وترتفع تكلفة تصويبها بشكل متزايد. وللإيضاح دعونى أشارككم هذا السيناريو الواقعى والمتكرر: تواجه الحكومات بشكل عام ضغوطاً شعبية لزيادة الإنفاق سواء لتمويل مشروعات أو لتنفيذ سياسات، وهو ما يحفز العديد من السياسيين لتبنى سياسات توسعية تساهم فى زيادة شعبيتهم خاصة قبل الانتخابات. وبإفتراض حدوث هذا السيناريو فى ظل نظام «السوق الحرة» بشكل يودى إلى زيادة معدلات الإنفاق عن النسب المستدامة والتى تتحدد فى ضوء قدرات الإقتصاد وأسواق المال فتقوم اليد الخفية للسوق بزيادة أسعار الفائدة على أدوات الاقتراض الحكومى (الأذون والسندات) مما يبعث برسالة واضحة للحكومة بان سياساتها المالية غير منضبطة وغير مستدامة. وفى المقابل يسمح النظام الإقتصادى المركزى بتحديد أسعار الفائدة إدارياً وهو ما يبدو للوهلة الأولى حلاً للمشكلة. ولكن فى الواقع، هو تأجيل للمشكلة بل ومساعدة على تفاقمها لتساهم هذه السياسة المضللة فى نهاية الأمر إلى إفلاس الدولة واضطرارها لاتخاذ إجراءات إصلاحية قاسية فيما بعد.  ومن هنا  فيتضح بان أهم مميزات نظام «السوق الحرة» يكمن فى قدرته على إيجاد آلية تكشف للمتعاملين السعر العادل للسلع والخدمات وفقا لمحددات العرض والطلب السائدة، وهى آلية شفافة ودقيقة تسهل من القدرة على إكتشاف الإختلالات الإقتصادية مبكراً وتوجيه الموارد بشكل كفء وعادل. ولكي يعمل هذا النظام بشكل جيد يجب وضع الأطر التى تضمن إتاحة وسرعة تداول المعلومات للجميع بالإضافة إلى وجود بيئة تجارية تتصف بالتنافسية وحرية التجارة.  


 ثانياً: تقوم الدولة الحديثة ونظم الإدارة المتطورة على فكرة أساسية جوهرها «التخصص»، بحيث يقوم كل فرد ومؤسسة بإدارة حزمة من الأنشطة تتناسب مع قدراته ومؤهلاته، وهو ما يسمح بإدارة هذه الأنشطة بأكبر قدر ممكن من الكفاءة من جهة وكذلك سهولة الرقابة والمسائلة من جهة أخرى. ونظراً لصعوبة معرفة الدولة بإمكانيات وقدرات جميع الأفراد، فيظل نظام السوق الحرة هو الأنسب لتحقيق هذا الغرض. كما تناسب آليات نظام «السوق الحرة» -أكثر من غيرها - على خلق بيئة تنافسية فضلاً عن خلق حافز حقيقى للأفراد والمؤسسات يدفعهم لإكتساب مهارات جديدة تمكنهم من توسيع دائرة نفوذهم فى المجتمع وكذلك حصتهم من الأرباح المتولدة، وهو بالتالى نظام يؤدى الى تشجيع الإبتكار والتطوير بشكل مستمر. ولكن التجارب العملية أوضحت أن هذا النظام الإقتصادى لا يعمل بكفاءة فى ظل غياب الأطر الرقابية السليمة كالفصل التام بين السلطات والحد من تزاوج السلطة بالمال وسيادة القانون. ومع غياب تلك البنية التحتيتة السليمة، يفقد هذا النظام احد مميزاته نتيجة إستبدال إحتكار الدولة للنشاط الإقتصادى بإحتكار مماثل يقوم به كيانات اقتصادية عملاقة مملوكة لعدد محدود من رجال الأعمال، وهو ما يؤسس إلى نظام يتسم بتفاوت رهيب وغير عادل فى توزيع الدخول والثروات كما هو سائد حالياً  بمصر. كما يدفع هذا الخلل إلى إيجاد نظام فاسد منظم يعمل على السيطرة على شئون الحكم وتوجيه القرارات لمصلحته حتى يضمن إستمرار نفوذه وسيطرته على مصادر الثروة.  ومن ثم فلابد أن تتزامن سياسات السوق الحرة مع وجود نظام سياسى ديمقراطي حقيقي يسمح بالمنافسة العادلة ويشجع على الإبتكار ويربط ثمار الإنتاج والعائد منه بالعمل والتطوير دون محسوبية.  


ثالثاً: يتميز نظام «السوق الحرة» بوضوح دور الدولة واقتصاره على مهام محددة وهو ما يعزز من قدرتها على القيام بواجباتها على نحو سليم، كما يساعد على مسائلة الحكومات المتعاقبة بشكل يتسم بالكفاءة. هذا ويمكن تحديد دور الدولة فى ظل نظام إقتصادى يتبنى سياسة «السوق الحرة» فى الآتي: وضع السياسات والتشريعات، الرقابة، متابعة الأداء والنتائج دون الدخول فى الإدارة، تقديم الخدمات العامة التى لا تناسب دور وأهداف القطاع الخاص كالدفاع والأمن، الإستثمار فى البنية التحتية الضرورية، ووضع شبكة ضمان إجتماعى تعمل على حماية محدودى الدخل وذوى المهارات والإمكانيات المحدودة. لذلك يسمح هذا النظام بتقاسم عادل للتكلفة المالية المصاحبة لعملية التنمية، حيث تقوم الدولة بتوجيه مواردها للقيام بالأدوار السابق الإشارة إليها بينما يتولى القطاع الخاص تمويل العملية الإنتاجية والأنشطة الاقتصادية المختلفة فى ظل القوانين والتشريعات الحاكمة. وأخيراً، تشير التجارب الدولية الناجحة إلى أهمية قيام الدولة بوضع نظام حوافز يشجع القطاع الخاص على القيام بدورة الاقتصادى جنبا إلى جنب مع دوره الإجتماعى والذى يضمن وحدة وترابط المجتمع ويخلق بيئة مستقرة تسمح له بالإستثمار الآمن والنمو المستدام.    


وفى النهاية فان ثورة ٢٥ يناير ومطالبها السياسية الواضحة من حرية وتنظيم سليم لشئون الحكم ووجود قنوات للرقابة تعمل بكفاءة وإستقلالية تعتبر هى الدوافع الرئيسية لمطالبتى بتبنى توجه اقتصادى يدعم سياسات «السوق الحرة» وهو توجه أراه يتسق مع الحرية السياسية المنشودة ِويستطيع فى ظل بنية تحتية سليمة وسياسات اقتصادية واجتماعية مكملة تحقيق تنمية شاملة ومستدامة بمصر تدفع بها فى وفى وقت قصير نحو مكانه إقتصادية مرموقة تناسب إمكانياتها الهائلة وبما يعود بالنفع على جميع مواطنيها.

أحمد كوجوك، نائب الرئيس و المدير التنفيذي لإدارة السياسة المالية العامة بوزراة المالية

أقرأ المزيد لـ:  احمد كوجوك

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم