الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

العالم

لا يمكن لمصر محاكاة النموذج التركي... ولكن يمكنها الاستفادة منه

شبنوم جومسكو

التعايش بين الإسلام والديمقراطية، مقبولان في تركيا ليس نتيجة لإقامة حزب "العدالة والتنمية" للهياكل المؤسسية والسياسية التي تحتوي على كل من المبادئ الإسلامية والديمقراطية، بل على العكس فالسبب وراء ذلك هو توصل الإسلاميين أنفسهم إلى قبول الإطار العلماني-الديمقراطي للدولة التركية.

 

 

أشار عدد كبير من الإسلاميين الشباب والأكثر اعتدالا في مصر إلى حزب "العدالة والتنمية" التركي باعتباره مصدرًا يمكن استلهامه، وذلك باستشهادهم بالإصلاحات القانونية والإدارة الاقتصادية الناجحة والانتصارات الانتخابية بوصفها نماذج من الممكن محاكاتها. وقد قُدمت تركيا في بعض السياقات السياسية باعتبارها نموذجا عاما للعالم العربي عليه أن يحذو حذوه. وهي المكانة التي ترجع في الأساس إلى قدرة تركيا التي تبدو فريدة من نوعها على مزج الديمقراطية العلمانية مع مجتمع أغلبه من المسلمين. ولكن هؤلاء الذين يتحدثون عن "النموذج التركي" لا يدركون أن التحول الذي شهدته البلاد، وأن التعايش بين الإسلام والديمقراطية، مقبولان في تركيا ليس نتيجة لإقامة حزب "العدالة والتنمية" للهياكل المؤسسية والسياسية التي تحتوي على كل من المبادئ الإسلامية والديمقراطية، بل على العكس فالسبب وراء ذلك هو توصل الإسلاميين أنفسهم إلى قبول الإطار العلماني-الديمقراطي للدولة التركية.

 

ليس هناك "نموذج تركي" لديمقراطية إسلامية، بل هناك مسلمون في دولة ديمقراطية - علمانية يعملون داخل إطار ليبرالي جديد.

ونتج هذا التحول في الأساس من انتقال تركيا إلى الفكر الليبرالي الجديد في ثمانينيات القرن الماضي، الذي أدى بدوره إلى بزوغ طبقة جديدة بين الفئات الإسلامية، وهي الطبقة التي سوف تصبح فيما بعد القوة الدافعة نحو الاعتدال الأيديولوجي. كما أدى تحرير الاقتصاد إلى خلق طبقة منظمة من رجال الأعمال الأقوياء والمتدينين من داخل الطبقة البرجوازية التي تقطن الأقاليم، ممن نادوا بالمزيد من التوجه السياسي العملي وبالاستقرار علاوة على توطيد العلاقات بالاتحاد الأوروبي بوصفه شريكا تجاريا أساسيا. وقد انشق هؤلاء الإسلاميون المعتدلون وأسسوا حزب العدالة والتنمية في سنة ٢٠٠١. 

 

وبوصفه حزبا محافظا يمثل المصالح الليبرالية الجديدة، عمل حزب العدالة والتنمية على تقليص حجم الدولة وتأسيس استقرار سياسي واقتصادي على نطاق أوسع، مع إقامة علاقات ودية مع العالم الخارجي. لم يتوقف الحزب عند زيادة دعمه للأنشطة التجارية العلمانية وللطبقة الوسطى، بل أقدم على جعل فكرة الدولة القوية - التي تسيطر على الاقتصاد وعلى حياة المسلمين باستخدام المبادئ الإسلامية - فكرة بائدة. وحافظ الحزب على معظم الهياكل الدستورية والمؤسسية الأساسية للدولة التركية، غير أنه سن عددًا من التعديلات الدستورية بُغية تحقيق الاتساق مع الاتحاد الأوروبي، وقلص من سلطة المؤسسة العسكرية. وبمعنى آخر أصبح الإسلام والديمقراطية عنصرين متوافقين في ظل الليبرالية الجديدة في تركيا. 

 

وعلى العكس من نظيرهم التركي فإن الإخوان المسلمين هم جماعة دينية قبل كل شيء، حيث تعتبر الأهداف الاقتصادية والسياسية والثقافية أهدافا ثانوية مقارنة بالإرشاد الديني.

أما المراقبون الذين يُرجعون هذا التحول إلى عناصر أخرى مثل الثقافة العلمانية في تركيا والضغوط التي مارستها المؤسسة العسكرية أو قرب تركيا الجغرافي من الاتحاد الأوروبي، فهؤلاء المراقبون يتجاهلون الحقيقة القائلة بأن التيار الإسلامي التركي قد تأسس قبل ازدهار التوجه الإسلامي بكثير. لقد قاوم الإسلام السياسي المنظم في تركيا الأثر التحولي للممارسات الديمقراطية العلمانية بقدر مقاومته للضغوط من جانب المؤسسة العسكرية والمؤسسات بشكل عام مع بقائه معاديًا عنيدًا للغرب سواء للاتحاد الأوروبي أو لحلف شمال الأطلسي لقرابة ثلاثة عقود. 

 

وعلى خلاف ذلك فإن الليبرالية الجديدة في مصر أفادت المقربين من نظام مبارك وفشلت في التسرب إلى المشروعات التجارية الأصغر،  فليست هناك فئة قوية من أصحاب التجارة داخل الحركة الإسلامية تصر على الإصلاحات الليبرالية الجديدة، وعلى عدم تدخل الدولة فى كل الأمور، ولا على المنطق البراجماتي السياسي. ذلك لأن هذه الحركة تخضع لهيمنة أصحاب المهن من الأطباء والمهندسين والمعلمين والمحامين الذين يفضلون قيام دولة قوية موسعة بحيث تكون مصدرًا للتوظيف والضمان الاجتماعي والسلع العامة.  فعلى الرغم من أن حزب "الحرية والعدالة" الذي أسسه الإخوان المسلمون يدعم المشروعات الخاصة، ينبغي ألا يُظن خطأ أن هذا الدعم هو دعم لتوجُّه الليبرالية الجديدة، فالنظر عن كثب للبرنامج الانتخابي للحزب يكشف احتفاظه بدور كبير للدولة في مجال الإنتاج والتخطيط وتنظيم الأسعار والضمان الاجتماعي وتوفير الوظائف، إذ تحتل المطالبة بالمزيد من العدالة الاجتماعية بين من يتقاضون الأجور والمناداة بالقضاء على البطالة بين المتعلمين موقع الصدارة من برنامجه. ويعتبر النظام الاقتصادي الذي يتصوره حزب الحرية والعدالة أشبه بقدر كبير بالفكر التجاري الموجه نحو استبدال الواردات والترويج للصادرات، وليس الاقتصاد الليبرالي الجديد القائم على دولة ذات حجم صغير وتجارة حرة. 

 

فعلى الرغم من أن حزب "الحرية والعدالة" يدعم المشروعات الخاصة، ينبغي ألا يُظن خطأ أن هذا الدعم هو دعم لتوجُّه الليبرالية الجديدة، فالنظر عن كثب للبرنامج الانتخابي للحزب يكشف احتفاظه بدور كبير للدولة في مجال الإنتاج والتخطيط وتنظيم الأسعار والضمان الاجتماعي وتوفير الوظائف.

وليس من المتوقع أن يحقق المزيد من الإصلاحات الاقتصادية التوجه البراجماتي الذي يتصوره مؤيدو النموذج التركي لمصر في المستقبل القريب.  فحتى لو أن طبقة جديدة من الإسلاميين ازدهرت كما حدث في تركيا فإن قدرتها على تحقيق الأثر المرجو الذي يشبه ما حققه حزب العدالة والتنمية سوف يعتمد اعتمادًا كليًا على أن تصبح الحركات الإسلامية أحزابًا سياسية مكتملة الأركان. وعلى العكس من نظيرهم التركي فإن الإخوان المسلمين هم جماعة دينية قبل كل شيء، حيث تعتبر الأهداف الاقتصادية والسياسية والثقافية أهدافا ثانوية مقارنة بالإرشاد الديني. ويعتمد حزب الحرية والعدالة على صفوف الإخوان القائمة بالفعل لكي تدعمه أثناء الانتخابات. وعلى الرغم من تحقيق أعضاء الجماعة وظيفة منظمي الحزب فقد جندهم الحزب في الأساس باسم الدعوة إلى الإسلام. وعلى هذا فهم منظمون وفقًا لتراتب هرمي صارم ومحشودون باسم الإسلام وليس تحقيقًا لمصالح سياسية أو اقتصادية. ويعزز هيكل الحزب الأولويات الدينية، ويقلل من شأن المساءلة الداخلية، كما يلقي بظلال سيطرة الإخوان المسلمين على حزب الحرية والعدالة. ويعد قرار الجماعة - الذي لاقى قبول القسم الأكبر من الأعضاء بالحزب نفسه - بالامتناع عن التقدم بمرشح لرئاسة الجمهورية باسم الحزب [ملاحظة تحريريه: تم كتابة هذا المقال قبل تقدم حزب الحريه و العداله بمرشحين للرئاسه] شاهدًا آخر على إخضاع ما هو سياسي إلى ما هو ديني. وإن لم يتطور حزب الحرية والعدالة إلى منظمة سياسية مستقلة مسئولة أمام مؤيديها تتوجه باهتماماتها نحو تحقيق مصالحهم السياسية، فسوف يصعب عليه تحمل المسئولية تجاه الشعب المصري. 

 

ففي ظل القيادة الإسلامية سوف تسعى مصر إلى العمل من خلال إطار آخر، وهو الإطار الذي يتطلب فصل الحركة الإسلامية بين وظائفها السياسية وتلك الدينية، مع السماح للحزب السياسي بتمثيل المصالح المشتركة لجموع الناخبين على امتداد التركيبة السكانية.

باختصار، ليس هناك "نموذج تركي" لديمقراطية إسلامية، بل هناك مسلمون في دولة ديمقراطية - علمانية يعملون داخل إطار ليبرالي جديد. وتعد العوامل الهيكلية والمؤسسية في تركيا ذات طابع تاريخي فريد، لذا فمن غير المتوقع أن نشهد عملية تحول مماثلة تتم في مصر.  ففي ظل القيادة الإسلامية سوف تسعى مصر إلى العمل من خلال إطار آخر، وهو الإطار الذي يتطلب فصل الحركة الإسلامية بين وظائفها السياسية وتلك الدينية، مع السماح للحزب السياسي بتمثيل المصالح المشتركة لجموع الناخبين على امتداد التركيبة السكانية. ولذلك فإن مهمة الإسلاميين في مصر ستكون أشد وأصعب من مهمة نظرائهم الأتراك، لأن عليهم التخلي عن العادات المتأصلة فيهم الموجهة نحو التنظيم الهرمي والتوجه الإرشادي لكي يتمكنوا من بناء نظام ديمقراطي يتمتع بمؤسسات متميزة. 

 

شبنوم جومسكو هو أستاذ العلوم السياسية المتخصصة في الحركات السياسية الإسلامية في جامعة سابانسي في اسطنبول

أقرأ المزيد لـ:  شبنوم جومسكو

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم