الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

العالم

ربيع إسرائيلي؟

آﭭﻲ شليم

نتنياهو ليس رجل سلام؛ لأنه من أنصار مبدأ الصراع الدائم. ففي أحد تعليقاته الإعلامية المشهورة قال: "إننا نعيش في منطقة صعبة". وهذا التوصيف صحيح دون شك، ولكنه يغفل دور إسرائيل في جعل الشرق الأوسط منطقة صعبة بسبب تجاهلها لحقوق الآخرين، وتجنبها الطرق الدبلوماسية، واعتمادها على القوة العسكرية الوحشية، وممارساتها اليومية التي تنتهك حقوق الإنسان في فلسطين، وانتهاكاتها الفاضحة للقانون الدولي.

 

تتيح الثورات التي تجتاح الأراضي العربية فرصة تاريخية لإسرائيل لكي تصبح جزءًا من المنطقة التي تقع فيها وتنضم إلى القوى المناصرة للديمقراطية من أجل تشكيل شرق أوسط جديد. ومع ذلك، لم يترك الربيع العربي حتى الآن صدى إيجابيا على أي مستوى من مستويات المجتمع الإسرائيلي، فقد تجاهل القادة الإسرائيليون الفرص المتاحة وضخموا بشدة الأخطار الناتجة عن الربيع العربي. وهكذا تحولت أحلام المتظاهرين الشباب المناصرين للديمقراطية إلى كوابيس بالنسبة إلى المخططين الاستراتيجيين في إسرائيل، وأصبح الوضع في حاجة ماسة لإعادة تقييم الوضع لكي لا يتحول الربيع العربي إلى شتاء إسرائيلي.

 

 

في يونيو ٢٠٠٩، قَبل نتنياهو على مضض فكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ولكن كل سياسات حكومته موجَّهة عمدا لإحباط ظهور هذه الدولة.

ولطالما تباهت إسرائيل بأنها جزيرة للديمقراطية في بحر من النظم السلطوية. وحصلت على قدر هائل من التعاطف والدعم الدولي، وذلك منذ نشأتها في سنة ١٩٤٨،  بالتحديد لأنها كانت إحدى الدول الديمقراطية القليلة جدا في المنطقة. ومع ذلك، لم تقم إسرائيل بأي شيء لتعزز الديمقراطية في العالم العربي، بل قامت بالكثير لكي تضعف الديمقراطية الفلسطينية واتضح ذلك من ألف وستمئة وثيقة دبلوماسية كانت في طي الكتمان إلى أن تم تسريبها في العام الماضي. وفي واقع الأمر، إن معظم الإسرائيليين ينظرون إلى جيرانهم العرب بازدراء وارتياب، وليست لديهم أي رغبة في أن يصبحوا جزءًا من المنطقة. 

 

 

وفى الواقع أن هناك حركة احتجاجات اجتماعية ظهرت في إسرائيل خلال الصيف الماضي وتأثرت بنموذج الصحوة العربية، وأن أجندة المتظاهرين في شارع روثستشايلد المحفوف بالأشجار في تل أبيب مشابهة بدرجة واضحة لأجندة نظرائهم العرب. وعلى الجانبين العربي والإسرائيلي المنقسمين، طالب المتظاهرون بتوفير وظائف ومساكن وفرص اقتصادية وعدالة اجتماعية، ونشأت الاحتجاجات من المصدر نفسه ألا وهو فشل النموذج الليبرالي الجديد للتنمية. ورغم ذلك، ينفي المحتجون الإسرائيليون وجود أي نوع من التشابه أو التضامن مع حركات الاحتجاج الاجتماعية خارج حدودهم، وهم يفعلون ذلك خوفا من أن يُتهموا بعدم الوطنية في مجتمع شوفيني (مغالٍ في الوطنية) يؤمن بأن عرقه أسمى من بقية الأعراق. 

 

 

وعند مقارنة أجندات حركات الاحتجاج العربية بنظيرتها الإسرائيلية يتبين بوضوح أن هناك حلقة مفقودة، تتمثل  في قضية الأراضي الفلسطينية المحتلة. ففي الأيام الأولى للربيع العربي، بدا أن محور التركيز تحول من الاهتمام القديم بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى المشكلات الداخلية بالمجتمع العربي، ولم يتوقف الشباب الليبرالي الذي كان في طليعة الانتفاضات عند هذه القضية الأزلية. ولم يمر وقت طويل حتى بدأ موضوع تحقيق العدالة للفلسطينيين يطفو مرة أخرى على السطح بوصفه أحد الموضوعات الأساسية التي تتصدر نقاشات، ولافتات، وشعارات الحركة الجماهيرية التي يقودها هؤلاء الشباب. وقد أتاح ذلك لإسرائيل فرصة لكي تبدأ في التعامل مع الشارع العربي بدلا من التعامل مع الديكتاتوريين العرب. 

 

 

وحظي الشباب الإسرائيلي من الليبراليين واليساريين الذين كانوا في طليعة حركة ١٤ يوليو بفرصة نادرة للتواصل مع المنطقة بأسرها حول مسألة تمثل موضع اهتمام مشترك. ويعلم هؤلاء الشباب جيدا أن المبالغ الهائلة الموجهة لدعم المستوطنين في الأراضي المحتلة تقلل من الأموال المخصصة للسكن والتعليم والرفاهية في إسرائيل. كما أن كثيرا من النشطاء الذين ساعدوا على إطلاق حركة الاحتجاجات الاجتماعية في تل أبيب هم أيضا من النشطاء في معسكر السلام الداعي إلى إنهاء الاحتلال واختيار حل الدولتين، ولكنهم اتخذوا قرارًا تكتيكيا بالتركيز على مجموعة واحدة من الموضوعات لكي يعظموا تأثيرهم داخل إسرائيل. 

 

 

ولكن المأساة أن تمسُّك نتنياهو بالاحتلال يحرم شعبه أيضا من الأمل في مستقبل أفضل. وكما قال كارل ماركس، الشعب الذي يقهر شعبا آخر لا يستطيع هو نفسه أن يظل حرًا.

وإذا نظرنا إلى ما وراء حركة الاحتجاجات، سنجد أن هناك شكا يسود إسرائيل في أن القادة الحقيقيين للانتفاضات العربية ليسوا الشباب الحر الذي تتمثل فيه الصفات المثالية، والذي يظهر أمام كاميرات التلفزيون، بل هم المتطرفون الإسلاميون الذين كرسوا أنفسهم للقضاء على الدولة اليهودية. وعلى الرغم من وجود أدلة كثيرة تدحض هذا الشك، فإن الإسرائيليين متمسكون بالفكرة المختزلة القائمة على أن الإسلام السياسي لا يتوافق مع الديمقراطية وأن العرب ليسوا أهلا لها. على أي حال. وفي الواقع، توحي الانتفاضات بأن العرب العاديين، مثلهم مثل بقية البشر في كل أنحاء العالم ، يريدون الحرية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية. ومع ذلك، يصر الخبراء الإسرائيليون على تدعيم الأفكار النمطية القديمة ذاتها حول الإسلاميين المتشددين الذين ينتظرون في صمت ويدبرون المكائد للديمقراطية على نظام فكرة "رجل واحد، وصوت واحد، ووقت واحد". ويتوقع هؤلاء الخبراء أن الصحوة العربية لن تؤدي إلى الديمقراطية، بل إلى حكومة ثيوقراطية (دينية) إسلامية أكثر تعصبًا وشرًا من الحكومات العلمانية القائمة على حكم الفرد التي تسعى إسرائيل جاهدة لاستبدالها.

 

 

ويُعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مثالا ممتازا على المعايير المزدوجة لدولته حينما يتعلق الأمر بالديمقراطية في العالم العربي، ففي الماضي كان يؤكد دائما أن السلام والأمن يعتمدان على تحول العرب نحو الديمقراطية. وعندما كان يكرر "نظرية السلام الديمقراطي" التي اقترحها علماء السياسة الغربيون، كان يحب أن يشير إلى الصحفيين الأجانب إلى أن "الدول الديمقراطية لا تحارب بعضها البعض"، واعتاد القول إنه ضد التخلي عن الأرض لصالح نظم غير ديمقراطية، لأنها لا يُعتمد عليها وغير جديرة بالثقة. ولكن فجر العصر الديمقراطي في العالم العربي جعله يغير نغمته، فأصبح يقول الآن إنه بسبب الاضطرابات الموجودة في المنطقة، يتعين على إسرائيل أن تسيطر على وادي الأردن سيطرة عسكرية دائمة حتى إذا تم التوصل إلى تسوية سلمية مع الفلسطينيين. وتكمن المفارقة هنا في أن التحول الديمقراطي في الأراضي العربية قد دفع نتنياهو إلى التشدد في شروطه غير المقبولة أصلاً للوصول إلى تسوية مع الفلسطينيين.

 

 

رفض احتمال زيادة رقعة الديمقراطية في العالم العربي يمكن أن يعرض الدولة اليهودية إلى الخطر

ففي يونيو ٢٠٠٩، قَبل نتنياهو على مضض فكرة إقامة دولة فلسطينية مستقلة، ولكن كل سياسات حكومته موجَّهة عمدا لإحباط ظهور هذه الدولة. ويتضح ذلك من رفض تجميد النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية لإتاحة الفرصة لإجراء محادثات السلام. ومن المعروف أن اغتصاب الأرض وصنع السلام لا يسيران جنبا إلى جنب؛ بل لا بد من اختيار أحدهما دون الآخر، وقد اختارت حكومة نتنياهو اليمينية التوسع الإقليمي على حساب الفلسطينيين. ومن خلال المضي قُدمًا في المشروع الاستعماري الصهيوني في الضفة الغربية والقدس الشرقية، يسعى نتنياهو إلى إغلاق الباب أمام أي فرصة للفلسطينيين للاستقلال الحقيقي وإقامة دولتهم. ولكن المأساة أن تمسُّك نتنياهو بالاحتلال يحرم شعبه أيضا من الأمل في مستقبل أفضل. وكما قال كارل ماركس، الشعب الذي يقهر شعبا آخر لا يستطيع هو نفسه أن يظل حرًا.

 

 

فنتنياهو ليس رجل سلام؛ لأنه من أنصار مبدأ الصراع الدائم. ففي أحد تعليقاته الإعلامية المشهورة قال: "إننا نعيش في منطقة صعبة". وهذا التوصيف صحيح دون شك، ولكنه يغفل دور إسرائيل في جعل الشرق الأوسط منطقة صعبة بسبب تجاهلها لحقوق الآخرين، وتجنبها الطرق الدبلوماسية، واعتمادها على القوة العسكرية الوحشية، وممارساتها اليومية التي تنتهك حقوق الإنسان في فلسطين، وانتهاكاتها الفاضحة للقانون الدولي.

 

 

ونتنياهو نفسه يجسد غرور السلطة، فبالنسبة إليه الربيع العربي لا يثير سوى الأخطار، واستجابته الوحيدة له هي زيادة قدرة إسرائيل العسكرية. ففي خطاب ألقاه أمام الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) في العام الماضي، شن نتنياهو هجوما عنيفا على السياسيين الغربيين الذين يدعمون الربيع العربي واتهم العالم العربي بأنه "لا يسير إلى الأمام بل إلى الخلف". وقد تنبأ نتنياهو نفسه بأن الربيع العربي سيتحول إلى "موجة إسلامية معادية للغرب، والليبرالية، وإسرائيل، والديمقراطية". وهو يدعي أن الوقت قد أثبت صحة ما تنبأ به.

 

 

اليوم في أعقاب الصحوة العربية، أصبحت الفرصة سانحة أمام إسرائيل لتلتزم بالسلام الشامل بدلا من أن تتمسك بمبدأ الصراع الدائم مع جيرانها العرب. وعلى إسرائيل أن تختار بين الاستمرار في التصرف مثل بلطجي المنطقة المغرور أو المساعدة في التحول الديمقراطي بالشرق الأوسط.

وتعكس تصريحات نتنياهو آراء مؤسسة الدفاع الإسرائيلية القوية. فقد عبر الجنرال المتقاعد عاموس جلعاد عن موقفه بصراحة تامة في الاجتماع السنوي الخاص بالسياسات الذي عقد في هيِرزليا، حينما أخبر جمهور الحاضرين الذين أومأوا برؤوسهم اتفاقا معه في الرأي أنه "في العالم العربي، لا مجال للديمقراطية وأن هذه هي الحقيقة، ونحن نفضل الاستقرار عن الديمقراطية". وبدأ خبراء أمنيون آخرون في التحدث عن التطويق الإسلامي لإسرائيل، ووجود "هلال مسموم"

 

 

يتكون من إيران، وسوريا، وحزب الله في لبنان، وحماس في غزة، والإخوان المسلمين في مصر. ولكن الخطر المباشر حاليا هو أن قادة إسرائيل سيستسلمون إلى جنون الارتياب الإمبريالي.

 

 

والبديل هو اغتنام الفرصة التاريخية التي أتاحها الربيع العربي لصنع السلام مع الفلسطينيين وبقية العالم العربي. وأفضل خطة عمل للسلام مع الفلسطينيين هي الاعتماد على "المعايير" التي حددها الرئيس الأسبق كلينتون في ديسمبر ٢٠٠٠ وهي: إقامة دولة فلسطينية مستقلة على أراضي غزة جميعها و٩٤-٩٦٪ من أراضي الضفة الغربية، وتتخذ من القدس الشرقية عاصمة لها. وهناك أيضا مبادرة السلام السعودية التي صادقت عليها  اثنتان وعشرون دولة الأعضاء في جامعة الدول العربية في قمة بيروت التي عقدت في مارس ٢٠٠٢. وتوفر هذه الخطة لإسرائيل السلام والتطبيع مع الاثنتين والعشرين دولة في مقابل الانسحاب من جميع الأراضي العربية المحتلة وإقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وغزة. وقد اختار قادة إسرائيل، كعادتهم، أن يتجاهلوا هذا العرض الممتاز.

 

 

واليوم في أعقاب الصحوة العربية، أصبحت الفرصة سانحة أمام إسرائيل لتلتزم بالسلام الشامل بدلا من أن تتمسك بمبدأ الصراع الدائم مع جيرانها العرب. وعلى إسرائيل أن تختار بين الاستمرار في التصرف مثل بلطجي المنطقة المغرور أو المساعدة في التحول الديمقراطي بالشرق الأوسط. ولقادة إسرائيل، مثلهم مثل السياسيين في كل مكان، الحرية بالطبع في إعادة أخطاء الماضي ولكن هذا ليس لزامًا عليهم. وإذا فضلوا نموذج البلطجة على الديمقراطية، فقد ينتهي الحال بدولتهم على الجانب الخاطئ من التاريخ.

 

هذه المقالة ظهرت للمرة الأولى في www.spectator.co.uk| ٢٥ فبراير ٢٠١٢ |

آﭭﻲ شليم: أستاذ متقاعد متخصص في العلاقات الدولية بجامعة أكسفورد ومؤلف كتاب (إسرائيل وفلسطين: إعادة تقييم، وإعادة نظر، ودحض أكاذيب). ولد في بغداد ونشأ في إسرائيل حيث خدم في قوات الدفاع الإسرائيلية (الجيش الإسرائيلي) في الفترة من ١٩٦٤ إلى ١٩٦٦.

أقرأ المزيد لـ:  آﭭﻲ شليم

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم