الجمعة، ٢٦ اغسطس، ٢٠١٦ 

الإقتصاد

المعونة المصرية ... رؤية اقتصادية

خالد ممدوح

 

ما يقترحه الشيخ حسان اساسا هو زيادة المبالغ المدينة بها الحكومة للمواطنين على الرغم من أن الحكومة فشلت في السابق في استثمار الأموال التي اقترضتها من مواطنيها

 

تدور في هذه الأيام أحاديث كثيرة عن مبادرة طرحها الشيخ محمد حسان من خلال التلفزيون المصري للاستغناء عن المعونة الأمريكية أطلق عليها اسم "المعونة المصرية"، وهي دعوة لجمع قيمة المعونة الأمريكية من خلال مساهمات المصريين حيث أقسم قائلاً: "أقسم بالله وعلى مسئوليتي أمام الله أن الشعب المصري سيجمع مئات الأضعاف مما كانت تقدمه لنا أمريكا من معونات تافهة". وجاء ذلك على شاشة التلفزيون المصري من خلال برنامج ستوديو ٢٧.

 

ما يطرحه الشيخ حسان ليس اكثر من تحويل جزء من مدخرات المصريين لوضعها تحت تصرف الحكومة، وبالتالي فهو لا يقدم أي إضافة للاقتصاد المصري، لأن الأمر يبدو داخل إطار الاقتصاد الكلي كأنه تحويل من حساب الأفراد إلى حساب الحكومة دون تحقيق أي قيمة مضافة للاقتصاد أو ضخ أموال جديدة داخل السوق.

سأحاول في هذه السطور أن أطرح رؤية مبسطة من وجهة نظر اقتصادية لهذه المبادرة قد يرى أي طالب في كلية التجارة قام بدراسة مبادئ الاقتصاد الكلي أنها تقع تحت بند الهراء الاقتصادي.

 

أولاً: ما يطرحه الشيخ حسان هو ببساطة إعادة توزيع مدخرات المصريين، فالأصل أن مدخرات المصريين موجودة داخل البنوك أو في مشاريع استثمارية صغيرة .. أما ما يطرحه الشيخ حسان فهو أن يتحول جزء من مدخرات المصريين ليوضع تحت تصرف الحكومة، وبالتالي فهو لا يقدم أي إضافة للاقتصاد المصري، لأن الأمر يبدو داخل إطار الاقتصاد الكلي كأنه تحويل من حساب الأفراد إلى حساب الحكومة دون تحقيق أي قيمة مضافة للاقتصاد أو ضخ أموال جديدة داخل السوق.

 

ثانيًا: يمر الاقتصاد المصري بمرحلة حرجة جدًا من الركود الاقتصادي، وفي مثل هذه الحالات يتطلب من الحكومات تخفيض الضرائب لزيادة السيولة المطروحة في الأسواق وبالتالي تحريك المياه الراكدة. وما يطرحه الشيخ حسان هو في مضمونه شبيه بزيادة الضرائب مع الفارق أنها في هذه الحالة اختيارية ولكن لها نفس التأثير الاقتصادي الذي سيؤدي إلى تفاقم المشكلة بسبب سحب السيولة النقدية من الأسواق وتحويلها لصالح الحكومة لسد عجز الموازنة .

 

الاقتصاد المصري في أشد الحاجة للنقد الأجنبي من خلال المعونات الأجنبية والقروض الميسرة والاستثمارات الأجنبية المباشرة، وهو ما لا يلتفت إليه الشيخ حسان في مبادرته لتعويض المعونة الأمريكية.

ثالثًا: من أخطر مشكلات الاقتصاد المصري الآن الانخفاض الشديد في الاحتياطي الأجنبي الذي وصل إلى ١٨ مليار دولار في نوفمبر ٢٠١١ بعد أن كان ٣٦ مليار دولار في ديسمبر ٢٠١٠، وبالتالي فالاقتصاد المصري في أشد الحاجة للنقد الأجنبي وهو ما لا يمكن توفيره إلا من خلال المعونات الأجنبية والقروض الميسرة والاستثمارات الأجنبية المباشرة، وهو ما لا يلتفت إليه الشيخ حسان في مبادرته لتعويض المعونة الأمريكية التي يحتاجها الاقتصاد المصري في الأساس لسد العجز في الاحتياطي الأجنبي.

 

رابعًا: في ديسمبر ٢٠١٠ كان فائض السيولة قد جاوز المئة مليار جنيه، ثم انخفض إلى أقل من نصف مليار في ديسمبر ٢٠١١ ، وبالتالي فإن الاقتصاد المصري يعاني أساسًا من مشكلة انخفاض رهيب في السيولة، وحينما يأتي الشيخ حسان ليطلب من المصريين جمع مبلغ المعونة فهو بهذا يزيد من مشكلة انخفاض السيولة لأنه ببساطة يقلل من الأموال المطروحة داخل السوق والتي تستخدم في تمويل الإنفاق والمشروعات الجديدة وتحويلها لسد عجز الموازنة ودعم حكومة فاشلة، وهذا سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة وخفض الاستثمارات وعجز التمويل للمشروعات الاستثمارية، وبالتالي زيادة حالة الكساد.

 

خامسًا: من المعروف أن معدل الادخار المحلي خلال العشر سنوات السابقة تراوح بين ١٨ و ١٩٪ من الناتج القومي، ولكي تحقق مصر نموًا اقتصاديًا مرتفعًا وقادرًا على خلق فرص عمل كافية فإنها تحتاج إلى معدلات استثمارات تتراوح بين ٣٠ و ٣٥٪ ولمدة عشر سنوات قادمة. ومعنى ذلك أن مصر تعاني من فجوة استثمارية حوالي ١٥٪ من الناتج القومي، وهو ما لا يمكن تمويله إلا من خلال القروض والمعونات والاستثمارات الأجنبية المباشرة. أما مبادرة الشيخ حسان فهي لا تطرح أي قيمة مضافة للاقتصاد المصري لأنها تتحرك داخل نفس معدل الادخار المحلي.

 

حينما يُطلب من المصريين جمع مبلغ المعونةالأمريكية فهذا يزيد من مشكلة انخفاض السيولة لأن المبادر ببساطة تقلل من الأموال المطروحة داخل السوق والتي تستخدم في تمويل الإنفاق والإستثمارات.

سادسًا: يبلغ الديْن الداخلي حوالي ١٠٤٣ مليار جنيه مصري، وهو ما يمثل أكثر من ٨٤٪ من إجمالي الديْن العام، وهذا يعني أن الحكومة مدينة للمواطنين بأكثر من ١١٤٠ مليار جنيه مصري .. ما يطرحه الشيخ حسان هو زيادة هذا المبلغ الذي لم تحسن الحكومة أساسًا استثماره من قبل مع الفارق أن هذه المرة ستكون الاستدانة بدون تكلفة على الحكومة، وهو ما يفسر سبب ترحيب الجنزوري بهذه المبادرة لأنها تمثل بالنسبة له خروجًا من الأزمة الحالية بزيادة الديْن الداخلي بمعدل فائدة صفر%.

 

سابعًا: ما يطرحه الشيخ حسان من استغناء عن المعونة الأجنبية يرسل رسالة للمجتمع الدولي بأن مصر ترفض المعونات أو القروض الأجنبية، وهو ما عانى منه قبلاً الدكتور حازم الببلاوي أثناء توليه منصب وزير المالية، حيث أحجم العديد من الدول الأجنبية عن تمويل مصر بسبب تصريحات سابقة لوزير المالية الأسبق سمير رضوان عن أن مصر ترفض أي نوع من أنواع التمويل أو المعونات أو القروض الأجنبية، وهو أمر غير صحيح بالمرة، كما يرسل رسالة قلق للمستثمرين حول اتجاه مصر في الفترة القادمة وعدم تشجعيها للاستثمار الأجنبي وهو بالطبع ما يؤثر على تدفق النقد الأجنبي وسحب الاستثمارات الأجنبية أو على أقل تقدير تجميدها لحين وضوح الموقف.

 

أنا بالتأكيد ضد أن تعيش بلادي على فضلات الغرب وإنما ينبغي أن تكون هناك مؤسسية في طرح المبادرات خصوصًا إذا كانت متعلقة بالاقتصاد القومي, والسياسة الخارجية.

في النهاية أحب أن ألفت النظر أيضًا إلى أمر آخر وهو غير متعلق بالأثر الاقتصادي للمبادرة ولكن بطريقة عرضها، فهي عرضت من خلال برنامج تلفزيوني دون أن يقدم الشيخ حسان أي أرقام إحصائية أو دليلاً على أنه قام بدراسة المبادرة أو حتى طرحها للمناقشة من قبل اقتصاديين متخصصين وكأنها ولدت في ذهنه أثناء البرنامج، وهو ما يعبر عن مدى العشوائية التي وصل إليها العقل المصري بأن يتم طرح مبادرة بهذه الأهمية من قبَل رجل دين ليس له أي علاقة لا بالسياسة ولا بالاقتصاد وأن يتم تسويقها بهذا الشكل حتى أنه لم تكد تخلو قناة من تصريح للشيخ حسان حول هذه المبادرة. 

أخيرًا .. لا أريد أن يُفهم مما سبق أنني مؤيد للمعونة الأمريكية لأني بالتأكيد ضد أن تعيش بلادي على فضلات الغرب أو أن تخضع للهيمنة الأمريكية وتفقد استقلالها السياسي والاقتصادي لكن أنا ضد العشوائية في اتخاذ القرارات وطرح المبادرات، كما أنني ضد أن تُطرح مبادراتنا السياسية والاقتصادية  من خلال برامج التوك شو، وإنما ينبغي أن تكون هناك مؤسسية في طرح المبادرات خصوصًا إذا كانت متعلقة بالاقتصاد القومي, والسياسة الخارجية. 

 

خالد ممدوح طالب دراسات عليا في الاستثمارالاكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا

أقرأ المزيد لـ:  خالد ممدوح

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم