الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

السياسه

نريد الدستور أوَّلاً

أيمن عامر

كيف نرضى بأقل من دستور جديد للبلاد يلبي طموح ثورتنا ويمحو عار الاستبداد القديم؟ 

 

 
ها هي سنة كاملة قد مرت على ثورة ٢٥ يناير وما زلنا نجد أنفسنا في مرحلة انتقالية هي مرحلة «تعقيدية» للأوضاع بسبب سوء إدارتها من قبَل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهو مما يزيد من انقسام القوى السياسية وتشرذمها وتفتيت قوة الثورة وقواها ويزيد الاحتقان في الشارع بين مختلف الأطياف.
 
 
سنة مرت كنا معاً في التحرير في بدايتها (في يناير٢٠١١) نطالب بحقنا في الخبز والحرية والكرامة في ظل دولة مدنية تسودها قيم المواطنة وعدالة القانون. اختفت أيامها الشعارات الخاصة بالجماعات والأحزاب المختلفة. كان يجمعنا هدف واحد يلهب الحماسة ويذيب الفوارق السياسية والأيديولوجية ولو إلى حين، وكان المطر ينزل فيغسلنا من الشوائب والأدران. كان مطلبنا هو إسقاط النظام من أجل تغيير وجه الحياة وبناء نظام جديد مختلف يحمي الفرد ويتيح الحرية والعدالة والديمقراطية لجميع المواطنين دون تفرقة، فتزدهر إمكاناتنا وتظهر مواهبنا وإبداعاتنا ونُخرج أحسن ما فينا.
 
 
طالبنا وقتها بمجلس رئاسي مدني، وتشكيل لجنة تأسيسية لوضع دستور جديد للبلاد بدل الدستور المشوَّه الذي سقطت شرعيته بسقوط الحاكم ونظامه، ولكننا لم نصمد الصمود الكافي لتحقيق هذا الهدف.
 
 
ولما تخلى الرئيس السابق عن سلطته وترك مهمة إدارة شئون البلاد للمجلس العسكري الذي أعلن أنه يدير البلاد في هذه المرحلة الانتقالية لحين تسليمها لسلطة مدنية منتخبة قلنا لا بأس. واستبشرنا خيراً بالتحية العسكرية التي قدمها المجلس لشهداء الثورة، وبإعلانه أنه يؤيد مطالب الشعب المشروعة وأنه «ليس بديلاً للشرعية». وكان الأمل أن يتبنى المجلس رؤية الثورة وروحها، فيعمل على نقل الحياة السياسية في البلاد إلى آفاق تتناسب مع سقف مطالب الثورة وطموحها في حياة ديمقراطية صحية وسليمة.
 
 

التوافق الوطني سيشكل ضغطاً قويّاً على المجلس العسكري كي يترك أمر الدستور والسلطة للشعب وبسرعة

ولكن - ومع الأسف - لاحظنا فيما بعد ارتباكاً غريباً في أداء المجلس وتباطؤاً غير مبرر. ووجدناه مع كل خطوة يخطوها يثير العديد من علامات الاستفهام، ثم رأينا أنه لا يتحرك إلا تحت ضغط المظاهرات، وأخذت المشاعر تمور بين توتر وقلق وغضب وتشاؤم.
 
 
وبدلا من البدء في إجراءات وضع دستور جديد اختار المجلس طريقاً آخر، فشكل لجنة لإجراء تعديلات لبعض مواد الدستور القديم، وأخذت أصوات كثيرة تتعالى برفض هذه التعديلات لأنها بمثابة محاولة لترقيع دستور ساقط ومهلهل لا يقبل الترقيع، وأن الأولى والأجدر استهلاك هذا الوقت والجهد في وضع دستور كامل جديد؛ خاصة أن مثل هذه التعديلات كانت قد طُرحت من قبَل الرئيس المخلوع نفسه قبل خلعه، وكان الرأي بل السؤال : كيف نقبل في مرحلة الثورة هذه ما كنَّا نرفضه من الرئيس المخلوع ونظامه الساقط؟ كيف نرضى بأقل من دستور جديد للبلاد يلبي طموح ثورتنا ويمحو عار الاستبداد القديم؟
 
 
وبرغم الأصوات الرافضة سار المجلس قُدماً فيما رآه. وكان ما كان في الاستفتاء من لبس وسوء فهم وسوء نية وسوء استغلال لجهل العامة ولعواطفهم الدينية، وحصل ذلك الاستقطاب المقيت بين «النعميين» و «اللائيين»، وصوَّر البعض الأمر على أنه معركة تخص هوية البلاد ودينها، وأن «نعم» تعني الاستقرار والحفاظ على المادة الثانية وعلى روح البلاد الإسلامية، وأن «لا» تعني خلاف ذلك، فكان ما كان ولوِّثت فرحة التجربة الديمقراطية الوليدة.
 
 
المهم ظهرت النتيجة بنعم، وفرحنا جميعاً بالاستفتاء الأول بعد الثورة بلا تزوير، ثم لوِّثت فرحتنا هذه ثانية حينما راح بعضهم يكبِّرون تكبيرات العيد لعودتهم من «غزوة الصناديق» مظفَّرين بالنصر على الأعداء لأن الشعب اختار الدين.
 
 
ثم فوجئنا جميعاً بالمجلس فور ظهور النتيجة يعلن سقوط الدستور القديم، ويُقرُّ دستوراً مؤقتاً سمَّاه «إعلان مبادئ دستورية» يتجاوز الستين مادة، فيُسقط بذلك مرحلة التعديلات والاستفتاء كلها. لماذا لم يقل لنا أحد قبل الاستفتاء أن الدستور القديم قد سقط تماماً، وأن ثمة إعلان مبادئ دستورية يجري الإعداد له؟ ولماذا لم يُطرح هذا الإعلان كله للاستفتاء، وكيف نُستفتى على بضع مواد ثم يوضع بشكل سيادي دستور مؤقت من اثنتين وستين مادة؟
 
 
وإذا أبعدنا إساءة الظن بعيداً جدّاً فإنه يبدو لي أن المجلس العسكري قد اكتشف مؤخراً أنه أخطأ في ترتيب أولويات المرحلة الانتقالية بدءاً بالاستفتاء العجيب المعيب الذي قسَّم الشعب شيعاً وأطيافاً وظن المجلس أنه يستمد شرعيته منه أو من الإعلان الدستوري الذي أُلحق بنتيجة الاستفتاء فأفسدها، ثم اكتشف أنَّ ترك الدستور في يد قوة في البرلمان - هي اليوم أغلبية وغداً قد تكون أقلية - خطأ سياسي ودستوري فادح؛ إذ لا مناص من توافق جميع قوى الشعب وأطيافه على الدستور الذي سيحكم العلاقة فيما بينها جميعاً. وارتبك المجلس العسكري ولم يدر كيف يخرج من هذا المأزق، وأثار تضارب التصريحات التي يخرج علينا بها أعضاؤه الهواجس والقلاقل، وشكك الكثيرين في نواياه.
 
 
إن المعروف أن الدستور عقد ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين السلطات الثلاث القضائية والتنفيذية والتشريعية، ولا يجوز عقلاً ولا قانوناً أن يُترك أمر الدستور في يد إحدى هذه السلطات (هي هنا السلطة التشريعية) لأنها طرف في العقد وصاحب مصلحة فيه، فقد يختار أعضاء البرلمان لجنة تتفق مع مصالحهم وأيديولوجياتهم وأفكارهم السياسية بما يجعل بداية حياتنا السياسية بعد الثورة منحازة لصالح أعضاء البرلمان بشكل معيب. والمفهوم أن يوضع هذا العقد كاملاً قبل بدء العمل السياسي، بل أن تتسلم السلطات الثلاث هذا العقد لتعمل بموجبه، ولهذا كان من أول مطالب الثورة إسقاط الدستور القديم ووضع دستور جديد. وإذا كان من وظائف الدستور الأساسية حماية الأقلية أو الأقليات - ومنها الأقلية السياسية - من سطوة الأغلبية المستندة إلى شرعية كونها أغلبية، فلا ينبغي أن تنفرد أغلبية البرلمان بتشكيل ملامح الدستور الذي من المفترض أنه قائم لكبح سطوتها.
 
 

المجلس العسكري يريد حصانة لنفسه تحميه من المحاسبة والخضوع لسلطة غير نفسه، بل إنه يريد أن يجعل من نفسه حامياً للشرعية الدستورية

لا نريد دستوراً على هوى الأغلبية ولا نريد دستوراً على هوى السلطة الحاكمة، خاصة أن لكل منهما هوى وميلاً واضحاً لخدمة نفسه عبر مواد الدستور القادم؛ فالمجلس العسكري يريد حصانة لنفسه تحميه من المحاسبة والخضوع لسلطة غير نفسه، بل إنه يريد أن يجعل من نفسه حامياً للشرعية الدستورية، وقد رأينا كيف فعل بالثورة في الشهور الماضية وكيف حاول تحويلها من ثورة إلى مجرد إصلاح طفيف لا يقترب من أي تغيير جذري في البنية الفاسدة للنظام. أما أعضاء البرلمان المتعطشون للسلطة، فلا نأمنهم على الدستور وهم مدَّعو امتلاك الحق والشرع، وهم يتجاهلون تماماً أنهم أعضاء متغيرون، أما الدستور فأثبت منهم وأطول عمراً. لا نريد أن تضع أغلبيتهم دستوراً على هواها لتطيح به الأغلبية التي ستأتي من بعدهم، أم هم يظنون أنهم سيشكلون الأغلبية إلى الأبد؟ 
 
 
ماذا نفعل إذن؟  لقد ارتضينا الاحتكام للديمقراطية وصناديق الانتخاب، وعلينا القبول بنتائجها رغم ما شابها من قصور وأخطاء وتجاوزات؛ فلا علاج لأخطاء الديمقراطية إلا بالديمقراطية نفسها.
 
 
أعرف أن ثمة تخوفات كبيرة من أن يحاول بعضهم أن يحرق السلم الذي صعد به إلى السلطة وأن يستبد بها متعللاً بشرعية أخرى غير الانتخابات والديمقراطية خاصة من قبَل الكافرين بها المملوءة رؤوسهم بأفكار الإقصاء ورفض الآخر وتكفيره، لكننا لا نريد أن ننقذ أنفسنا من نار هؤلاء لنلقي بها في جحيم حكم العسكر.
 
 
وعلى القوى السياسية أن تدرك أن دستور البلاد هو دستورها كلها لجميع المواطنين بمختلف أطيافهم وانتماءاتهم الفكرية والسياسية والأيديولوجية بلا تمييز بسبب دين أو لون أو عرق. ومن ثم فعليها أن تجتمع وتتناقش من أجل الاتفاق على معايير اختيار اللجنة التأسيسية لوضع الدستور، والوصول إلى حل عبر حالة من الاتفاق والإجماع الوطني يجنبنا الصراع أو الصدام بين القوى المختلفة فيما بينها - بعضها أو كلها - أو بينها وبين المجلس العسكري، بل إن هذا التوافق الوطني سيشكل ضغطاً قويّاً على المجلس العسكري كي يترك أمر الدستور والسلطة للشعب وبسرعة، أما التنازع والتقاتل فإنه يعطي المبررات للمجلس العسكري (ولو عند البعض فقط) لطول قبضه على السلطة وربما النفخ في نار الاختلاف بين قوى الشعب ووضع البلاد (أدرك ذلك أو لم يدرك) على شفا حرب أهلية مخيفة قد تودي بالجميع.
 
 
ومن ثم نرى أن لجنة المئة، التي ستكتب الدستور، ينبغي أن تكون - كلها أو أغلبيتها على الأقل - من خارج أعضاء البرلمان، وبحسب أعضاء البرلمان أن يوافقوا عليها، وأن تكون ممثلة لسائر أطياف المجتمع فتضم ممثلين عن النقابات العمالية والمهنية المختلفة وعدداً من المثقفين والنشطاء السياسيين والعاملين في مجال حقوق الإنسان وممثلين عن الشباب والنساء ورجال الدين، هذا - بالطبع - إضافة إلى خبراء القانون وفقهاء الدستور.
 
 
وما ينبغي الانتباه له هو ضرورة بناء مؤسسات الدولة المدنية وقواعد العمل الديمقراطي السليم واحترام القانون. وإذا نجحنا في ذلك فسنعبر هذه الأزمة ونطور من أدائنا السياسي لنكمل (عبر العمل السياسي) إنجاز ثورتنا المعطَّلة وننتقل بمصر نقلة تليق بها وبثورة شعبها.

أيمن عامر عمل كمدرس لغة عربية بمصر، يعمل فى مجال التحرير والنشر. مجموعته من القصص القصيرة ستصدر فى ٢٠١٢

أقرأ المزيد لـ:  أيمن عامر

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم