الثلاثاء، ٢٥ ابريل، ٢٠١٧ 

السياسه

الثورة المصرية والتحديات السياسية

خالد شعلان

أثناء الإحتفالات الحاشدة في ميدان التحرير والمدن الكبرى بأنحاء جمهورية مصر العربية ليلة الحادي عشر من فبراير من العام ٢٠١١، لم يكن هناك مجال للتفكير في مستقبل مصر، فبالتأكيد كانت لحظة تستحق الإحتفال حيث شكلت تلك الليلة نهاية لثلاثة عقود من حكم مبارك وكانت من أحلك فترات الحكم في تاريخ مصر، بفضل هذه الإنتفاضة الشعبية الكلاسيكية النبيلة التى لم يكن أى شخص يتصور حدوثها.  

أظهر الثوار المصريون شجاعة وقوة وإيماناً لا يتزعزع بمشروعية مطالبهم خلال الأسبوعين ونصف التاريخين من عمر الثورة.فهذا جيل يطالب بقوة بمستقبل أفضل ، وكما كان يقول الشاعر لابد أن يستجيب القدر. فلقد تحمل الثوار المصريين وعلى مدى ثمانية عشر يوماً قمع أعتى الأجهزة الشرطية في العالم الثالث ولكن في النهاية استطاع الثوار الإنتصار على هذا الجهاز. وبالطبع فإن مبارك وأعوانه لم يستسلموا دون مقاومة عنيفة فلقد ضحى مئات المصريين الشبان والشابات بحياتهم وأصيب الآلاف خلال المظاهرات، في سبيل تحقيق مطالبهم وحقوقهم الطبيعية في الحرية والعدالة.


ولقد عانى الملايين من المصريين من الأسلحة الأخرى الفتاكة لنظام مبارك، فلقد حاول النظام أن ينشر الرعب والفزع داخل نفوس الأمة، حيث غابت الشرطة عن الشوارع والأحياء وتركت الناس فى خوف من غياب الأمن . ‎واستطاع المصريون وفي وقت قصير تنظيم أنفسهم فى مجموعات لحماية بيوتهم وشوارعهم من البلطجية والهاربين من السجون والمجرمين ممن أطلقهم أمن النظام. فلقد كانت الخطة أن ينشروا الفوضى والذعر داخل مصر حتى يشعر الناس بالحنين إلى أيام مبارك حيث كان هناك استقرار. وبينما كان الرجال يحرسون شوارعهم ليلا في البرد القارص من فبراير، واجهت أسرهم تسونامي من الإعلام المضلل الذي سعى إلى تجريم من هم في التحرير وقام بهذا الإعلام المضلل الصحفيون المشهورون والمشاهير من نجوم الفن وحتى رجال الدين. لذلك عندما أعلن نائب الرئيس السابق  عمر سليمان تنحي الرئيس السابق، فكان من الطبيعى أن يحتفل ثوار التحرير وأن يفتخروا بما حققوه.  


وبعد مرور ثلاثة أشهر، وجدت القوى الاجتماعية التي قامت بالثورة نفسها أمام تحدي جديد ألا وهو الانتقال من الثورة إلى السياسة. والجيش الذى أخذ مقاليد السلطة فى وقت بدت فيه علامات إنهيار الدولة فى آخر أيام مبارك، من طبيعته الا يقوم بتغيرات جذرية أو أن يتعقب هؤلاء من فلول النظام السابق، وبدأ الثوار يفقدون من قوتهم السياسية لعدم قدرتهم على جمع الحشود لتحقيق أهداف أخرى مثلما جمعوهم بسهولة لتحقيق مطلب تنحية الرئيس مبارك ووجد الثوار نفسهم فى مواجهه طبيعة الجيش التى تفضل الإستقرار على التغيير وكذلك بالتأثير السلبى لإختلافات قادة الجيش بينهم وبين بعض، هذه الإختلافات كانت غير ظاهرة عندما كان الهدف الذين أجمعوا عليه وهو إزالة مبارك بالإضافة فإن تأثير عقود من القهر وتدخل أمن الدولة أفقد المجموعات السياسية القدرة على التلاحم بطبقات المجتمع المختلفة خاصه خارج القاهرة، وذلك خلاف سهولة الإتصال بعضهم البعض عن طريق الإنترنت، وعلى الجانب الآخر انفصلت جماعة الإخوان المسلمين عن القوى السياسية التي قادت المظاهرات وبصورة سريعة أكثر مما يتخيل أى شخص، فبعد ستة أسابيع فقط من سقوط نظام مبارك، دعا المجلس العسكري الحاكم الشعب إلى التصويت في الإستفتاء على التعديلات الدستورية والذي سيؤدي في النهاية إلى انتخابات برلمانية وكتابة دستور جديد بإشراف هيئة تشريعية منتخبة.


‎أيدت جماعة الإخوان التعديلات لأن إجراء انتخابات مبكرة سيكون في مصلحتها. فالجماعة هي القوة الوحيدة المنظمة والمتغلغلة داخل المجتمع المصري منذ مدى بعيد فعملت وبكل جهدها على ضمان تأييد الاستفتاء على التعديلات الدستورية. وفي النهاية استخدمت الجماعة قوتها السياسية داخل المجتمع المصري واستطاعت الحملة 
يجب أن يتحول ثوار مصر إلى سياسيين فى أقرب وقت الشعبية التي دشنها الإخوان المسلمين والسلفيين والمبنية على أساس ديني حشد الدعم المناسب والكافي لتأييد هذه التعديلات . ومن المؤسف أنه ولأول مرة يتوافق رأي الإخوان المسلمين مع رأى الإعلام الرسمي والذي لازال يتم التلاعب به من خلال الجيش والذي أيد التعديلات الدستورية على أساس الاستقرار وهي الكلمة المحبوبة في الطبقة المتوسطة . أما الشباب الذين قادوا الانتفاضة ضد مبارك واستطاعوا الإطاحة به من خلال معسكر التحرير والذي أبهر العالم كله ، فشلوا في أول اختبار سياسى لهم بعد تنحي مبارك. ولم يكن الفشل من نصيب الثوار الشباب وحدهم بل شمل أيضاً القوى التقدمية في المجتمع والتي رفضت التعديلات الدستورية وأيدت كتابة دستور جديد يقوم به جمعية منتخبة من الشعب.


ويبقى الدرس الأول المستفاد بعد تنحي مبارك أن قواعد الديمقراطية مختلفة عن قواعد الثورة. فإذا أردنا تنفيذ أجندة تقدمية اجتماعية وسياسية فعلى كل القوى التي تسمى قوى الثورة أن تعمل على تنظيم صفوفها وبسرعة. فالديمقراطية بكل بساطة تعني أنه إذا أردت أن تفوز بمقعد على طاولة صنع القرار، فعليك أن تفوز في الانتخابات. وإذا أردت فعل هذا فعليك أن تعمل على عمل بنية تحتية سياسية  جيدة و حشد عدد من الناخبين المؤيدين لك وكل ذلك يتطلب أن يكون لديك المال الذي سوف يمكنك من فعل كل ذلك.


فيجب على ممثلي القوى التي قادت الثورة أن تعمل على توحيد صفوفها وعمل ائتلاف يمكنهم من خلاله خوض الانتخابات البرلمانية . ويجب أن يظل هذا الائتلاف حتى نصل إلى الهدف الأهم  وهو كتابة دستور جديد يليق بالثورة.  


وبعد تحقيق هذا الهدف يمكن لجماعات هذا الائتلاف أن يختلفوا فيما يريدون حول القضايا السياسية المختلفة .  ويبقى السؤال الأهم الآن وهو ما هى فرصة هذه القوى الجديدة فى تحقيق هذا الهدف؟، وللإجابة على هذا السؤال يجب أن نعترف أنهم سيقابلون العديد من العقبات والمعوقات في طريقهم وفي مقدمة تلك المعوقات التحدي الأساسي ألا وهو التنظيم. فكيف سيتمكن هذا الخليط من الجماعات المختلفة من الإتصال بطبقات الشعب؟ ومازال قادتهم ومفكريهم يفكرون فى موضوع الإئتلافات وتكوين الأحزاب السياسية.فيجب التركيز على الوصول إلى اتفاق على قائمة مرشحين يؤيدهم الكل ولمصلحة الجميع بدلاً من التركيز على إنشاء أحزاب جديدة. ‎


وبالرغم من أن هذه القوى مختلفة إلا أن هذا الاختلاف يصب في المصلحة العامة حيث ستحاول كل جماعة مختلفة حشد مؤيدين لهذا الإئتلاف التقدمى. فبينما يستطيع الإشتراكيون واليساريون لعب دوراً في حشد العمال في مختلف المصانع، فيمكن أن ينصب تركيز الليبراليين على الطبقة المتوسطة في القاهرة الكبرى وفي كل مكان في صعيد مصر؛ فعلى العكس تماماً من القول السائد بأن أهل الصعيد يصوتون بناء على العشائر فهذا ليس حقيقي وذلك لأن منهم الكثيرين الذين يصوتون بناءً على ما يعتقده. فعملياً من المطلوب من هذا الائتلاف أن يصل إلى مناطق عديدة في جمهورية مصر العربية والتي همشت في عصر مبارك مثل محافظتي سيناء ومحافظة البحر الأحمر، والتي صوتت بنسبة كبيرة بـ لا فى الأستفتاء الأخير للتعديلات الدستورية.


يجب أن يتحول ثوار مصر إلى سياسيين في أقرب وقت، وعليهم أن يركزوا  من أجل ضمان حصول الائتلاف التقدمي على نسبة مؤثرة في البرلمان . حينها فقط يمكن أن يكتب دستور يليق بالثورة وبمستقبل مصر، وحينها فقط يتحقق هدف الثورة الأساسي الشعب يريد إسقاط النظام [ ملاحظة تحريرية : كُتب هذا المقال قبل الانتخابات البرلمانية ].

خالد شعلان طالب بالدكتوراه قسم الدراسات الشرقية والإفريقية جامعة لندن

أقرأ المزيد لـ:  خالد شعلان

 

شارك

 

 

أضف تعليق

يرجى العلم بأن بياناتك الشخصية لن يمكن تقاسمها أو الكشف عنها لأي طرف ثالث، وسيتم الحفاظ على سريتها

 

 

تعليقات القراء
التعليقات التي تظهر هنا والآراء الواردة بها تعبر عن رأى كاتبها الشخصى وهي لا تمثل رأي ميدان مصر

كريم حبيشى

Feb 5 2012 1:10:57:730PM

جريدة رائعة
تحياتى لاصحاب الفكرة و تهانى على العدد الأول و اتمنى ان أرى الاعداد القادمة أكثر قوة و ثراءا شكرا لكل من ساهم لخروج هذه الجريدة للنور الآن عاد عصر صناعة الثقافة و صناعة القلم الى قوته فقد اصبحنا نرى كل يوم كاتبا جديدا و صاحب رأى جديد بعدما كنا نرى فى عهد المخلوع مغنيا أو راقصة جديدة كل يوم سعيد بالحراك الثقافى فى مصر رغم تناقضاته و فوضويته و لكنه أم رطبيعى بعد ثورة على نظام فاسد افسد عقول المصريين لستين سنة

رأي الجريدة

رسالة مفتوحة إلى دكتور محمد البرادعي

أنا أكنّ لك أقصى درجات الاحترام والتقدير. ولا يمكننا أبداً أن ننسى أن شجاعتك وبصيرتك كانتا وراء المطالبة بالتغيير والتحول إلى الديمقراطية خلال الأعوام...   قراءة المزيد

الدستور

فالدستور ليس مجرد وثيقة تضمن تساوينا كمواطنين أمام حاكم يحكمنا وفق قواعد محددة لا وفق أهوائه، بل هو مرآة الآمال، وعنوان القيم، وانعكاس للمستقبل الذي نحلم...   قراءة المزيد

المزيد

مش فاهم؟

مش فاهم؟

"مش فاهم؟" هو عدد من رسوم الكاريكاتير تم صياغتها في إطار كوميدي بهدف إثارة تساؤل محدد يشير الي وجود تناقض واضح أو تضارب في المصالح أو شيء غير صحيح، و لكن...  قراءة المزيد

المزيد

استطلاعات رأى

حذف كلمة مدنية من الدستور سيؤدي الي قيام
 دولة عسكرية
 دولة دينية
 دولة مدنية
 لا أهتم
هل تؤيد اقامة مباريات كرة القدم بجمهور ؟
 نعم
 لا
 لا أهتم